أوزيل يؤسس حزباً جديداً ويعيد رسم خريطة المعارضة التركية

دخلت السياسة التركية مرحلة جديدة مع إعلان أوزغور أوزيل تأسيس حزب سياسي جديد، في خطوة تُعد من أبرز التحولات التي شهدتها المعارضة خلال السنوات الأخيرة، بعدما وصلت الأزمـ ـة الداخلية في حزب الشعب الجمهوري إلى طريق مسدود نتيجة التدخلات القضائية التي عطلت قيادة الحزب وأدخلته في صـ ـراع مفتوح على الشـ ـرعية التنظيمية.

وجاء قرار أوزيل بعد أشهر من الأزمة التي بدأت بإبطال المؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب، الذي عُقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وانتُخب خلاله رئيساً للحزب خلفاً لكمال كليتشدار أوغلو. ورغم طعن قيادة الحزب في القرار، فإن تأجيل محكمة النقض النظر في القضية إلى سبتمبر/أيلول المقبل أبقى حالة الغموض قائمة، وهو ما دفع أوزيل إلى البحث عن مسار سياسي بديل يضمن استمرار مشروعه المعارض.

نهاية مرحلة داخل الشعب الجمهوري

وفي آخر اجتماع ترأسه للكتلة البرلمانية للحزب، أعلن أوزيل استقالته رسمياً، مؤكداً أن ما يحدث ليس انشقاقاً عن مبادئ “الشعب الجمهوري”، وإنما محاولة للحفاظ على المشروع السياسي الذي حمله خلال الفترة الماضية.

وقال إن الحزب الجديد سيواصل الدفاع عن المبادئ الجمهورية والديمقراطية، وسيعمل على قيادة المعارضة نحو الوصول إلى السلطة في أول انتخابات مقبلة، مشيراً إلى أن الهدف ليس إنشاء كيان مؤقت، بل تأسيس قوة سياسية قادرة على منافسة حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وأضاف أن المشروع الجديد يمثل استجابة لإرادة قطاع واسع من أعضاء الحزب وأنصاره، الذين رأوا أن الأزمة القضائية أصبحت تهدد مستقبل المعارضة بأكملها.

اتهامات للسلطة باستخدام القضاء

وخلال كلمته، وجه أوزيل انتقادات حادة للرئيس رجب طيب إردوغان، متهماً السلطة باستخدام القضاء والمؤسسات الرسمية لإضعاف المعارضة.

واعتبر أن استهداف رؤساء البلديات المنتخبين، واعتقال شخصيات بارزة في الحزب، والقرارات القضائية المتعلقة بالمؤتمر العام، تأتي ضمن سياسة تهدف إلى تفكيك أكبر أحزاب المعارضة وإضعاف قدرته على المنافسة السياسية.

كما قال إن الضغوط لم تقتصر على المسار القضائي، بل شملت حملات إعلامية واتهامات طالت قيادات الحزب بهدف التأثير على صورته أمام الرأي العام.

حسابات انتخابية

ويحمل قرار تأسيس الحزب الجديد أبعاداً انتخابية واضحة، إذ يخشى فريق أوزيل من أن يؤدي استمرار النزاع القضائي إلى حرمان “الشعب الجمهوري” من المشاركة بصورة طبيعية في الانتخابات المقبلة، أو إضعاف بنيته التنظيمية قبل الاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية المقررة عام 2028.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن عشرات النواب ورؤساء البلديات ومسؤولي الفروع المحلية يستعدون للانضمام إلى الحزب الجديد، ما قد يمنحه منذ انطلاقه كتلة سياسية كبيرة داخل البرلمان، ويجعله المنافس الرئيسي للحكومة.

وتشير تقديرات إلى أن عملية الانتقال ستتم تدريجياً، بما يسمح بالحفاظ على أكبر قدر من التماسك داخل المعارضة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام العودة إلى “الشعب الجمهوري” إذا انتهت الأزمة القضائية لصالح أوزيل.

استطلاعات تعزز موقف أوزيل

وتعززت ثقة أوزيل بخطوته بعد نتائج استطلاعات رأي حديثة أظهرت أن الحزب المزمع تأسيسه قد يتصدر المشهد السياسي إذا أجريت الانتخابات في الوقت الراهن.

وأظهرت إحدى الدراسات حصول الحزب الجديد على نسبة تقارب 36% من نوايا التصويت، متقدماً على حزب “العدالة والتنمية”، بينما تراجعت شعبية “الشعب الجمهوري” تحت قيادة كمال كليتشدار أوغلو إلى مستويات متدنية، ما يعكس حجم الانقسام داخل القاعدة التقليدية للحزب.

ورغم أن هذه الأرقام تبقى مرتبطة بمرحلة ما قبل التأسيس الرسمي، فإنها تمنح أوزيل زخماً سياسياً في مواجهة خصومه داخل الحزب وخارجه.

أزمة المعارضة لم تنتهِ

ورغم إعلان الحزب الجديد، فإن الأزمة داخل المعارضة التركية تبدو بعيدة عن الحل. فملف “الشعب الجمهوري” لا يزال بانتظار قرار نهائي من محكمة النقض، فيما يواصل كمال كليتشدار أوغلو التمسك بشرعية الإدارة الحالية للحزب، الأمر الذي قد يؤدي إلى استمرار الانقسام خلال الأشهر المقبلة.

وفي المقابل، تراهن قيادة الحزب الجديد على استقطاب شخصيات معارضة وشرائح انتخابية أوسع، مستفيدة من حالة الاستياء تجاه الأزمة التنظيمية التي يعيشها “الشعب الجمهوري”، ومن رغبة جزء من الناخبين في ظهور إطار سياسي قادر على منافسة السلطة بصورة أكثر فاعلية.

مرحلة سياسية جديدة

ويمثل إعلان أوزيل تأسيس حزب جديد نقطة تحول في الحياة السياسية التركية، إذ يفتح الباب أمام إعادة تشكيل المعارضة بعد عقود ظل فيها “الشعب الجمهوري” القوة الرئيسية في مواجهة حزب العدالة والتنمية. كما يضيف عنصراً جديداً إلى المشهد السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وسط تساؤلات حول قدرة الحزب الوليد على الحفاظ على زخمه وتحويل الدعم الأولي إلى قوة انتخابية منظمة، في وقت تستمر فيه المعركة القانونية والسياسية حول مستقبل أقدم أحزاب الجمهورية التركية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى