رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق: حصول تركيا على F-35 قد يقيّد حرية إسرائيل العسكرية في سوريا

أثار رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق، تامير هايمان، جملة من التحذيرات بشأن احتمال عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35، معتبراً أن القضية تتجاوز مجرد صفقة تسليح، وتمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوة الاستخبارية والعسكرية في سوريا وشرق المتوسط، وانعكاساتها على الأمن الإسرائيلي.
منصة استخبارية تتجاوز دور المقاتلة
يرى هايمان أن F-35 ليست مجرد مقاتلة هجومية متطورة، بل تمثل منصة متقدمة لجمع المعلومات ودمجها وتحليلها، بفضل ما تمتلكه من مستشعرات متعددة وقدرتها على إنتاج صورة عملياتية تتجاوز المجال الجوي الذي تعمل فيه.
وبحسب تقديره، فإن تشغيل تركيا لهذه الطائرات بالقرب من الأراضي السورية قد يحولها عملياً إلى محطة استطلاع وإنذار مبكر متحركة، بما يمنح أنقرة قدرة أكبر على متابعة التحركات الجوية الإسرائيلية، ويؤثر في حرية تل أبيب بتنفيذ عمليات سرية أو مباغتة داخل سوريا أو ضد أهداف إيرانية. كما يبدي شكوكاً بشأن إمكانية ضمان عدم انتقال معلومات عن النشاط الإسرائيلي إلى إيران عبر الجانب التركي.
مخاوف من الجمع بين F-35 وS-400
ويحذر هايمان من استمرار امتلاك تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 بالتزامن مع تشغيل مقاتلات F-35، معتبراً أن وجود المنظومتين داخل دولة واحدة قد يسمح بدراسة البصمة الشبحية للطائرة واختبار قدرة الرادارات الروسية على اكتشافها.
ويرى أن هذا الواقع قد يوفر فرصة استخبارية ثمينة لكل من روسيا والصين، بما قد يضر بالتفوق التقني الذي تتمتع به المقاتلة. كما يشير إلى أن برنامج F-35 يتضمن مكونات وتقنيات إسرائيلية، الأمر الذي يثير مخاوف من وصول معلومات حساسة إلى جهات تعتبرها إسرائيل معادية.
تعزيز القدرات التركية يقلق إسرائيل
ويؤكد هايمان أن جوهر القلق الإسرائيلي لا يقتصر على احتمال استخدام المقاتلات ضد إسرائيل، بل يتعلق بتعزيز القدرات العسكرية والاستخبارية لدولة يعتبر أنها تسلك مساراً أكثر تصادمية مع تل أبيب.
ويقول إن امتلاك تركيا لهذه الطائرات سيمنحها تفوقاً جوياً واستخبارياً في سوريا وشرق المتوسط، في ظل استمرار الخلافات بين الجانبين حول ملفات عدة، من بينها حركة حماس، والوجود العسكري في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص.
قاعدة T4 في قلب الحسابات الاستراتيجية
وفي قراءته للتحركات التركية داخل سوريا، يعتبر هايمان أن اهتمام أنقرة بقاعدة T4 الجوية قرب تدمر يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري المباشر.
فالقاعدة، وفق قوله، تقع على الطريق الواصل بين غرب سوريا والعراق وإيران، وتتيح مراقبة المجال الجوي في شرق سوريا والمناطق الواقعة شرق إسرائيل. ويشير إلى أنها استُخدمت سابقاً من قبل إيران وروسيا، وأن قائد “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني أصر على ترسيخ الوجود الإيراني فيها، ما جعلها هدفاً متكرراً للغارات الإسرائيلية.
ويضيف أنه بعد تراجع الوجودين الإيراني والروسي، حاولت تركيا نشر منظومات إنذار مبكر في القاعدة، ما يجعلها، بحسب تقديره، نقطة قد تؤثر مستقبلاً في حرية العمل الجوي والاستخباري الإسرائيلي.
الاستثمارات الخليجية كوسيلة لموازنة النفوذ التركي
ويرى هايمان أن الاستثمارات الخليجية في سوريا قد تشكل بديلاً جزئياً عن الاعتماد على تركيا، إلا أنه يعتبر أن هذه المقاربة لم تتحول حتى الآن إلى سياسة خليجية موحدة.
ويعزو ذلك إلى استمرار التباينات بين السعودية والإمارات بشأن التعامل مع السلطة السورية الجديدة، معتبراً أن واشنطن تستطيع لعب دور في تنسيق التمويل الخليجي وربطه بشروط، من بينها الحد من الوجود العسكري التركي، ومنع نشر قدرات استراتيجية، وضبط الجماعات الإسلامية المتشددة المحيطة بالسلطة الجديدة.
وفي المقابل، ينتقد السياسة الأمريكية الحالية، معتبراً أنها تعتمد على العلاقة الشخصية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، إضافة إلى آليات السوق، من دون وجود خطة واضحة لتوجيه الاستثمارات أو مراقبة آثارها الأمنية والسياسية.
شبكة نفوذ تركية تمتد عبر المنطقة
ويشير هايمان إلى أن تركيا نجحت في بناء حضور بدرجات متفاوتة في نحو 12 دولة وساحة إقليمية، من بينها سوريا والعراق وقطر وليبيا والصومال والسودان وغزة.
ويؤكد أن هذا الانتشار لا يشكل تحالفاً عسكرياً مركزياً شبيهاً بالشبكة التي أنشأتها إيران، وإنما يمثل منظومة مرنة من القواعد والمواقع والعلاقات السياسية والأمنية، تمنح أنقرة نفوذاً يمتد إلى شمال إسرائيل وشرقها، وكذلك إلى منطقة البحر الأحمر.
ورغم أنه لا يجزم بأن تركيا تسعى إلى تطويق إسرائيل عسكرياً، فإنه يرى أن تراكم هذه المواقع، بالتزامن مع توجهات الرئيس رجب طيب أردوغان السياسية، يفرض على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مراقبتها باعتبارها بنية قد تتحول مستقبلاً إلى مصدر تهديد.
تركيا ليست إيران… لكنها مصدر قلق متصاعد
ويشدد هايمان على أن تركيا لا تمثل في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً يماثل إيران، محذراً من أن المقارنة بين البلدين قد تقلل من خصوصية التهديد الإيراني المرتبط بالبرنامجين النووي والصاروخي وشبكة الوكلاء المسلحين.
ومع ذلك، يرى أن إسرائيل لا تستطيع تجاهل المسار الذي تنتهجه السياسة التركية، معتبراً أن القلق الإسرائيلي نابع من تلاقي خطاب أيديولوجي معادٍ لإسرائيل، ودعم سياسي لحركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب توسع الحضور العسكري والأمني التركي في المنطقة.
ترامب قد يدير الخلاف بدلاً من إنهائه
ويعتقد هايمان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستفيد سياسياً من استمرار موقعه كوسيط بين أنقرة وتل أبيب، إذ يمنحه التوتر القائم قدرة أكبر على ممارسة الضغوط وإبرام الصفقات مع الطرفين.
وبناءً على ذلك، يرجح أن يعمل ترامب على إدارة الخلاف ومنع خروجه عن السيطرة، بدلاً من إنهائه بشكل كامل. ويرى أنه قد يتدخل عندما تتعارض التحركات التركية مع المصالح الأمريكية المباشرة، كما في ملف الجمع بين S-400 وF-35، في حين قد لا تكون المخاوف الإسرائيلية وحدها كافية لدفع واشنطن إلى مواجهة مباشرة مع أنقرة.
الشرع يسعى إلى موازنة العلاقة بين أنقرة والخليج
وفي الشأن السوري، يرى هايمان أن الرئيس السوري أحمد الشرع يدرك أن وصوله إلى السلطة ارتبط بالدعم والحماية التركيين خلال مرحلة إدلب، لكنه لا يرغب في البقاء تابعاً بشكل كامل لأنقرة.
ويعتبر أن الشرع أبقى لتركيا منطقة نفوذ واسعة في شمال سوريا وعدداً من المواقع العسكرية، لكنه يحاول في الوقت نفسه منعها من احتكار القرار السوري، عبر الانفتاح على السعودية والإمارات ودول الخليج واستقطاب استثماراتها ودعمها السياسي.
وبحسب تقديره، فإن الشرع يوظف التنافس بين تركيا والدول الخليجية لتوسيع خياراته السياسية والاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على العلاقة الأمنية والسياسية التي نشأت مع أنقرة خلال السنوات الماضية.
مقترح لتسوية الوجود الإسرائيلي في سوريا
وفي ختام رؤيته، يطرح هايمان تصوراً يقضي بتحويل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل سوريا إلى ورقة تفاوضية، بحيث تنسحب إسرائيل من معظم المواقع التي سيطرت عليها مقابل اتفاق يضمن نزع عسكرة الجولان السوري، ومنع نشر منظومات استراتيجية تركية أو سورية، وإنشاء آلية رقابة أمريكية أو دولية.
كما يدعو إلى مراقبة الاستثمارات الخليجية لضمان عدم وصولها إلى الجماعات الإسلامية المتشددة.
غير أنه يستثني قمة جبل الشيخ السورية من أي انسحاب محتمل، معتبراً أنها تمثل موقعاً بالغ الأهمية لأغراض المراقبة والإنذار المبكر، ويشكك في استعداد إسرائيل للتخلي عنها، نظراً إلى ميزتها الجغرافية وقيمتها الاستخبارية مقارنة بالمواقع الإسرائيلية الأخرى على جبل الشيخ.



