من رمال الخليج إلى حدود لبنان: دمشق في قلب هندسة أمنية غربية لمواجهة النفوذ الإيراني

تحولات إقليمية تدفع دمشق إلى واجهة المشهد الأمني
في ظل اشتعال حروب الأجواء وتبادل الضربات الصاروخية بين طهران وتل أبيب، وتصاعد التهديدات الإيرانية المباشرة للمنشآت الحيوية في دول الخليج، كشفت معطيات صحفية واستخباراتية متقاطعة عن اتصالات حثيثة لنقل الصراع إلى مرحلة “تثبيت الأرض” عبر الاستعانة بالجيش السوري الجديد في إطار ترتيبات أمنية إقليمية غير مسبوقة.
اتصالات خليجية مع دمشق لبحث دعم عسكري سوري
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “المدن” اللبنانية عن أن كلاً من البحرين والكويت أجرتا اتصالات رفيعة المستوى مع الحكومة الانتقالية السورية لبحث إمكانية تقديم دعم عسكري سوري يقي المنطقة مخاطر أي توغل أو تهديد أمني إيراني محتمل. وقد أبدت دمشق برئاسة أحمد الشرع موافقة مبدئية على الطلب، مشروطة بالحصول على موافقة دولية تتلاءم مع الترتيبات الإقليمية القائمة. وتزامن هذا الحراك مع زيارات دبلوماسية وأمنية مكثفة، أبرزها زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الكويت وتأكيده تضامن بلاده الكامل مع التهديدات الخليجية، إلى جانب اللقاء الذي جمع وزير الداخلية البحريني بالقيادة السورية في دمشق.
اجتماعات سرية وخطط لنقل القوات
وعلى صعيد متصل، كشفت تسريبات استخباراتية نشرها موقع “Fox-Press” في وقت سابق عن عقد اجتماعات غير معلنة في دمشق جمعت مسؤولين عسكريين وأمنيين من السعودية وقطر بالجانب السوري لتحديد الآليات اللوجستية لنقل الجنود.
وتركزت النقاشات حول تحديد قوام القوات المطلوبة، مع التركيز على مقاتلي النخبة من خلفيات فصائلية محددة (هيئة تحرير الشام، جيش الإسلام، أحرار الشام)، نظراً لخبرتهم الطويلة في قتال الميليشيات الشيعية وخلفياتهم الأيديولوجية المتوافقة مع دول الخليج. وتتضمن “خارطة الطريق” التي نوقشت إنشاء جسر بري عبر الأردن لنقل آلاف المقاتلين، مع رصد ميزانية ضخمة تضمن تقاضي الجندي الواحد مبلغاً يصل إلى 3000 دولار شهرياً.
البعد الاقتصادي: تصدير فائض القوة العسكرية
وبحسب مراقبين، لا يعد هذا المبلغ مجرد راتب، بل هو “محرك اقتصادي” لدولة ناشئة تحت قيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً)، تسعى لتخفيف حدة الأزمة المعيشية عبر تصدير “فائض القوة العسكرية”.
من الخليج إلى لبنان: احتواء النفوذ الإيراني
ولا تقتصر أبعاد هذا التوظيف العسكري لدمشق على الجبهة الخليجية فحسب، بل تمتد لتتقاطع مع ضغوط غربية وأمريكية متصاعدة تطالب القيادة السورية بإنهاء خطوط إمداد حزب الله والتدخل الفاعل في الساحة اللبنانية. فقد تجلت هذه الضغوط في مطالب صريحة وجهتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرع بضرورة التعامل المباشر مع خطر حزب الله وتفكيك بنيته التحتية الممتدة عبر الحدود.
ويُحلل هذا الجانب باعتباره جزءاً من استراتيجية غربية شاملة تسعى لإعادة تعريف دور دمشق الجديد؛ فمن جهة، يُراد لدمشق أن تتحول إلى سد منيع يقطع شريان التواصل بين طهران والضاحية الجنوبية، ومن جهة أخرى، يتم استخدام ملف الشرعية الدولية والدعم الاقتصادي لدمشق كأوراق ضغط وإغراء في آن واحد.
معادلة دمشق الصعبة بين واشنطن وطهران
هذا الطرح يضع القيادة السورية أمام معادلة معقدة: إما الانخراط الكامل في مشروع تقليم أظافر طهران بالمنطقة بما في ذلك الجبهة اللبنانية لإرضاء واشنطن وحلفائها، أو المخاطرة بفتح جبهات استنزاف معقدة داخلية وإقليمية قد تُربك مرحلتها الانتقالية.
قوات سورية ضمن منظومة دفاع إقليمية
وتأتي هذه التحركات انسجاماً مع تطلع العواصم الخليجية لسد النقص في الكتلة البشرية البرية المدربة على حرب المدن عبر الاستفادة من الخبرة الميدانية للجندي السوري، في حين تسعى دمشق لإضفاء الشرعية القانونية على هذه القوات تحت مظلة “اتفاقية الدفاع العربي المشترك”، وبما يحاكي تجربة حرب تحرير الكويت عام 1991. ويتقاطع هذا التوجه مع ضوء أخضر أمريكي وإسرائيلي يفضل الاعتماد على قوى محلية تتقن لغة الميدان لتقليل الحاجة إلى تدخل غربي مباشر.
تحفظات تركية ومخاوف من فقدان النفوذ
ورغم هذه التفاهمات، تواجه الاستراتيجية الجديدة تحفظاً تركياً صامتاً، لا سيما فيما يخص مشاركة الفصائل ذات المكون التركماني؛ إذ تخشى أنقرة أن يُفسَّر خروج هذه المجموعات بضوء أخضر منها كإعلان حرب تركية بوجوه سورية ضد طهران، فضلاً عن مخاوفها من فقدان أوراق الضغط داخل سوريا لصالح الرياض والدوحة. كما تضع هذه الخطوة السلطات السورية أمام تحدي التخلص من “وصمة الارتزاق” الناجمة عن مشاركات سابقة لبعض فصائلها في نزاعات خارجية كليبيا وأذربيجان، وتحويل هذه المجموعات إلى مؤسسة عسكرية نظامية.
وفي المحصلة، يرى خبراء ومحللون استراتيجيون أن نقل الخبرات القتالية السورية إلى الخليج وتوجيه بوصلتها نحو ممر الحدود اللبنانية قد يعيدان رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة ويخلقان توازن رعب يمنع أي اجتياح أو نفوذ بري إيراني، غير أنهم يحذرون في الوقت ذاته من أن تحول دمشق إلى رأس حربة في المواجهة الغربية-الإيرانية قد يمنح طهران وحلفاءها الذريعة لتصعيد وتيرة الاستهداف ومواجهة الحكومة السورية الجديدة بشكل مباشر، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات مواجهة شاملة وغير محسوبة.



