تسـ ـريـ ـبات تفـ ـضح المستور: تركيا تسعى لخـ ـلق حـ ـرب سنية شيعية وقـ ـودها الحكومة السورية وحـ ـز..ب الله

أبعاد الدعم التركي المزدوج لحزب الله والحكومة المؤقتة وسيناريوهات تفكيك المنطقة

تشهد منطقة بلاد الشام تحولات دراماتيكية تتجاوز المفاهيم التقليدية للتحالفات العسـ ـكرية والسياسية. وفي قلب هذه التحولات، تبرز المؤشرات والتقارير الاستخـ ـباراتية الواردة من مراكز الدراسات المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، لتسلط الضوء على دور محوري ومعقد تلعبه أنقرة. يقوم هذا الدور على تبني استراتيجية “الدعم المزدوج المتزامن” لأطراف تصـ ـنف علناً بأنها عـ ـدوة لبعضها البعض؛ حيث تقدم تركيا دعماً سياسياً وعسـ ـكرياً للحكومة السورية وهيـ ـئة تحـ ـرير الشـ ـام، وفي الوقت ذاته، تفتح قنوات اتصال لوجستية واستخـ ـباراتية رفيعة المستوى لتسهيل إمـ ـداد حـ ـز…ب الله اللبناني بالسـ ـلاح عبر الأراضي السورية.

جسر إمداد أذربيجاني وغطاء دولي أميركي إسرائيلي

وتوقفت مراكز الأبحاث الأمنية مطولاً عند التدفق العسكري الأخير القادم من باكو باتجاه سوريا. وبحسب تقارير لوجستية متطابقة ومصادر أمنية سورية، فإن أذربيجان أرسلت شحنات أسلحة نوعية ومتطورة إلى الحكومة السورية وهيئة تحرير الشام. لم تكن هذه الشحنات مجرد ذخائر تقليدية، بل شملت تكنولوجيا عسكرية قادرة على تغيير موازين القوى ميدانياً.

وبحسب ما كشفت عنه المصادر الأمنية السورية، فأن الدعم شمل طائرات استطلاع ومسيرات هجومية تُستخدم لجمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة وتحديد الأهداف المتحركة والثابتة. ومنظومات صواريخ متوسطة المدى يصل مداها العملياتي إلى نحو 50 كيلومتراً، مما يمنح هيئة تحرير الشام قدرة على ضرب العمق الخلفي لخصومها. وتجهيزات لوجستية متقدمة تضمنت مناظير رؤية ليلية متطورة للغاية، وبنادق قنص حديثة، وأنظمة اتصالات مشفرة.

واللافت في التقارير الاستخباراتية أن هذا الدعم الأذربيجاني لم يكن ليتحرك لولا وجود إشراف مباشر وتنسيق كامل من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وبموافقة أمنية صريحة من إسرائيل. هذا الغطاء الدولي يعكس رغبة القوى الكبرى في إعادة ترتيب الأوراق العسكرية على الأرض السورية لاستخدامها في ملفات إقليمية أخرى، وعلى رأسها ملف المواجهة مع إيران وأذرعها وخصوصاً حزب الله اللبناني.

جبهة لبنان المؤجلة واستحقاق قمة “ترامب – أردوغان”

وتربط القراءات التحليلية للمواقع الإخبارية المتخصصة بين وصول هذه الأسلحة المتطورة وبين ترتيبات تجري خلف الكواليس لشن حملة عسكرية واسعة ضد حزب الله في جنوب لبنان. ووفقاً للمعلومات المتداولة، فإن هذه المواجهة العسكرية جرى تأجيلها بقرار دولي إلى ما بعد اجتماع دول مجموعة السبع (G7) الذي تستضيفه إسطنبول.

وتتجه الأنظار إلى قمة مرتقبة وحاسمة ستجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول على هامش أو عقب الاجتماع الدولي. وبحسب التسريبات، فإن ترامب يحمل في جعبته عرضاً استراتيجياً واقتصادياً كبيراً ومغرياً لتركيا، والهدف الأساسي من هذا العرض هو انتزاع موافقة أنقرة على إشراك “هيئة تحرير الشام” والفصائل التابعة لها في الشمال السوري في الحرب الدائرة ضد حزب الله في لبنان، لفتح جبهة استنزاف جديدة للحزب من جهة الشمال والشرق اللبناني.

شروط تركية واستراتيجية التوسع الجغرافي

وتؤكد مراكز الدراسات أن الموقف التركي شهد تحولاً براغماتياً كبيراً؛ فبعد أن كانت أنقرة ترفض قطعيّاً زج الحكومة السورية، في أتون الحرب اللبنانية، أبدت الآن مرونة وباتت توافق على هذا المخطط، ولكن بعد فرض شروط سيادية قاسية لضمان مصالحها القومية.

وبحسب المصادر الأمنية فأن هذه الشروط تتمثل في محددين رئيسيين، الأول اشتراط تركيا الحصول على ضوء أخضر دولي، وخصوصاً موافقة إسرائيلية، لإنشاء وتثبيت قواعد عسكرية تركيّة جديدة ودائمة في مناطق استراتيجية داخل الأراضي السورية، مما يشرعن وجودها العسكري على المدى الطويل ويمد نفوذها إلى مناطق أعمق. أما الثاني فيتمثل بشرط تركي هو أكثر مفاجأة حيث تطالب أنقرة بمنحها نفوذاً وسيطرة أمنية على مدينة طرابلس في شمال لبنان، والسماح لها بإنشاء قاعدة عسكرية هناك (برية وبحرية). هذا الشرط يمنح أنقرة إطلالة عسكرية مباشرة على حوض البحر الأبيض المتوسط الشرقي، ويجعلها لاعباً رئيساً في الداخل اللبناني.

شبكة التمويل المالي وإسناد المهام للإمارات

وفي إطار توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية لإنجاح هذا المخطط، كشفت المصادر الأمنية أن الشق المالي المتعلق بتمويل هذه العمليات العسكرية قد أُسند بالكامل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتشير البيانات المسربة إلى أن أبو ظبي ستتكفل بتغطية وتأمين النفقات المالية وقيمة الرواتب المخصصة لعناصر هيئة تحرير الشام والفصائل السورية التي ستشارك في القتال ضد حزب الله. ووفقاً للمعلومات، فقد جرى رصد ميزانية ضخمة تضمن منح كل عنصر ينخرط في هذه المعارك راتباً شهرياً ثابتاً يقدر بنحو 1400 دولار أمريكي، وهو مبلّغ يُعد كبيراً جداً بالنظر إلى الظروف الاقتصادية في سوريا، مما يساهم في جذب آلاف العناصر وتوجيههم نحو الجبهة اللبنانية.

مفارقة استخباراتية وسعي تركيا لإشعال الفتنة الطائفية

وتكمن العقدة الأكثر تعقيداً والتي ركزت عليها المواقع التحليلية، في السياسة المزدوجة والمفارقة التي تنتهجها أنقرة. فعلى الرغم من كل الدعم الذي تقدمه تركيا للحكومة السورية وهيئة تحرير الشام لقتال حزب الله، كشفت المصادر الأمنية أن جهاز الاستخبارات التركي يعقد اجتماعات دورية وتنسيقية مستمرة مع قيادات بارزة في حزب الله اللبناني.

ولا يقتصر هذا التواصل على الجانب الدبلوماسي، بل يتعداه إلى قيام تركيا بـ تسهيل وتأمين طرق إمداد وعبور الأسلحة لصالح حزب الله عبر الأراضي السورية. ويرى المحللون السياسيون ومراكز الأبحاث أن هذه السياسة التركية المزدوجة (دعم الحكومة المؤقتة في دمشق وحزب الله اللبناني في ذات الوقت) ليست تخبطاً سياسياً، بل هي استراتيجية مدروسة بعناية تهدف إلى خلق فتنة سنية – شيعية مُمنهجة عبر دعم الطرفين المتناقضين وإمدادهما بأسباب القوة، وبذلك تضمن أنقرة استمرار الصراع المسلح وتأجيج الخطاب الطائفي. وتفكيك واستنزاف القوى الإقليمية فإدخال المنطقة في أتون حرب طائفية متبادلة يؤدي إلى إنهاك قدرات الفصائل السورية وقدرات حزب الله على حد سواء، مما يؤدي إلى فراغ أمني وعسكري كبير.

فضلاً عن سهولة السيطرة وتوسيع النفوذ، حيث يتيح هذا التفكك الجيوسياسي لتركيا التدخل كقوة وحيدة قادرة على ضبط الأمور، مما يسهل عليها فرض شروطها وإحكام سيطرتها المطلقة على المنطقة الممتدة من الشمال السوري وصولاً إلى الساحل اللبناني.

وتُظهر المعطيات التي كشفت عنها المصادر الأمنية أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على مرحلة شديدة الخطورة، تُستخدم فيها الفصائل المسلحة كأدوات في لعبة شطرنج دولية وإقليمية كبرى. وبينما تتدفق الأسلحة الأذربيجانية المتطورة بغطاء أميركي وإسرائيلي، والأموال الإماراتية لتغذية الصراع، تظل الاستراتيجية التركية المزدوجة هي المحرك الأساسي للأحداث، عبر الموازنة بين دعم الحكومة السورية وتأمين إمدادات حزب الله، في أسلوب ذكي لإدارة النزاعات بما يضمن بقاء أنقرة الطرف الأقوى والمهيمن على مستقبل المنطقة وتوازناتها الجغرافية والسياسية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى