استمرار الوجود العسـ ـكري التركي في رأس العين يثـ ـير تساؤلات حول مستقبل الانسـ ـحاب وعودة المهجرين

رغم المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية، لا تزال القـ ـوات التركية تحافظ على انتشارها العسـ ـكري في مدينة رأس العين/سري كانيه وريفها شمال محافظة الحسكة، دون تسجيل أي مؤشرات على تقـ ـليص وجودها أو الانسـ ـحاب من المواقـ ـع التي سيـ ـطرت عليها منذ الهجـ ـمـ ـات التي شـ ـنتـ ـها تركيا والفـ ـصـ ـائل السورية الموالية لها في تشرين الأول/أكتوبر 2019. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المطالب بإنهـ ـاء الوجـ ـود العسـ ـكري الأجنبي في الأراضي السورية، وتمكين عشرات آلاف السكان المهـ ـجرين من العودة إلى مناطقهم.
وأفادت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن القوات التركية لا تزال متمركزة في جميع قواعدها ونقاطها العسكرية داخل مدينة رأس العين/سري كانيه ومحيطها، ولم يطرأ أي تغيير على خارطة انتشارها منذ سقوط نظام بشار الأسد ووصول الحكومة الانتقالية إلى السلطة. وبحسب المصادر، لم يقتصر الأمر على الإبقاء على المواقع العسكرية، بل عملت القوات التركية خلال الفترة الماضية على تعزيز تحصيناتها الدفاعية عبر إنشاء كتل إسمنتية، وحفر خنادق، وإقامة سواتر ترابية حول قواعدها، في خطوة تعكس استمرار تثبيت وجودها العسكري في المنطقة.
وأضافت المصادر أن القوات التركية خفضت في المقابل عدد عناصر الفصائل السورية الموالية لها المنتشرين في محيط تلك القواعد، مع الإبقاء على قواتها النظامية إلى جانب عدد محدود من المسلحين المحليين الذين يتولون مهام المساندة والحراسة. كما أشارت إلى أن القواعد التركية لا تزال متمركزة في قرية باب الفرج شرقي رأس العين/سري كانيه، ونقطة الداودية جنوب المدينة على طريق تل تمر، إضافة إلى النقطة العسكرية القريبة من محطة مبروكة للكهرباء بمحاذاة الطريق الدولي M4، فضلاً عن استمرار انتشارها داخل أحياء المدينة وعلى امتداد طريق تل حلف.
ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة ملف عشرات آلاف المدنيين الذين نزحوا من رأس العين/سري كانيه ومحيطها عقب الهجمات التركية عام 2019، إذ لا يزال القسم الأكبر منهم يعيش في مناطق النزوح داخل شمال وشرق سوريا، وسط صعوبات تحول دون عودتهم إلى منازلهم. ويرى كثير من أبناء المنطقة أن استمرار الوجود العسكري التركي والقواعد المنتشرة في المدينة يشكل أحد أبرز العوامل التي تعيق عودة السكان واستعادة الحياة الطبيعية في المنطقة.
وتبرز هذه القضية في ظل المتغيرات التي شهدتها الساحة السورية خلال الفترة الأخيرة، إذ توقفت العمليات العسكرية في البلاد، وتشكلت حكومة سورية جديدة، كما أُعلن عن اندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة الجديدة وفق الترتيبات المعلنة.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تطرح تساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري التركي، ولا سيما أن أنقرة بررت تدخلها العسكري في السابق بدواعٍ أمنية مرتبطة بالوضع الحدودي والعمليات العسكرية في شمال سوريا.
ويؤكد المراقبون إلى أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على تثبيت الاستقرار، وإعادة النازحين، وخروج القوات الأجنبية بما ينسجم مع مبادئ السيادة ووحدة الأراضي السورية التي تؤكد تركيا مراراً دعمها في تصريحاتها الرسمية. ومن هذا المنطلق، يرى المراقبون أن انسحاب القوات التركية من المناطق التي تنتشر فيها، وفي مقدمتها رأس العين/سري كانيه، سيساهم في تهيئة الظروف المناسبة لعودة السكان المهجرين منذ عام 2019، وإزالة إحدى العقبات التي تعترض جهود إعادة الاستقرار وإعادة الإعمار.
وفي الوقت الذي لم تصدر فيه مؤشرات رسمية بشأن أي جدول زمني لإعادة انتشار أو انسحاب القوات التركية، يبقى ملف رأس العين/سري كانيه من أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل شمال سوريا، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية، بينما يواصل آلاف المهجرين انتظار ظروف تتيح لهم العودة إلى منازلهم واستئناف حياتهم بعد سنوات من النزوح.



