مجلس شعب تحت السيـ ـطرة.. قراءة انتـ ـقـ ـادية في هندسة النظام الداخلي الجديد وتفـ ـريغ الأدوات الرقـ ـابية في سوريا

يشهد مجلس الشعب السوري تحولات قانونية وسياسية حاسمة خلال مناقشاته المستمرة لمسودة نظامه الداخلي الجديد، والتي تُعد أولى التشريعات الصادرة في دورته الاستثنائية الحالية لعام 2026. ورغم نجاح البرلمانيين في إعادة إدراج لجنة الشؤون الخارجية تحت مسمى جديد هو “لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية” (لتصبح اللجنة رقم 25) بعد جدل واسع أثاره إلغـ ـاؤها من المسودة الأولية، إلا أن البنية العامة للنظام الداخلي لا تزال تواجه انتقـ ـادات حـ ـادة من خبراء الحوكمة، يرون فيها صياغة ممنهجة لتكـ ـريس السلـ ـطوية وتفـ ـريغ المؤسسة التشريعية من مضمونها التمثيلي والرقـ ـابي.
آلية التعيين واحتكار القرار.. هندسة اللجان من الأعلى
وتأتي في مقدمة العيوب الهيكلية التي تضمنتها المسودة آلية اختيار قيادات اللجان الدائمة؛ حيث نصت على تسمية رؤساء اللجان ونوابهم ومقرريها عن طريق التعيين المباشر من قبل المكتب الرئاسي للمجلس، صعوداً من العرف البرلماني حتى ذلك الموجود لدى نظام الأسدين الأب والأبن، والذي كان يتيح لكل لجنة انتخاب قيادتها داخلياً.
ويحذر خبراء التنمية والحوكمة، ومنهم المحاضر ريبال الزين، من أن هذا التوسع البيروقراطي واحتكار مهام الهيكلة من الأعلى يحول اللجان (ولا سيما لجنة التشريعات والشؤون الدستورية المنوط بها صياغة القوانين) إلى “بوابات إلزامية وعقد اختناق بيروقراطية” خاضعة للسيطرة والتدخل السياسي، مما يسمح لمكتب المجلس بالتحكم المسبق في النصوص التشريعية وتعديلها أو إجهاضها قبل وصولها إلى القاعة العامة للنقاش.
كما يمتد هذا الاحتكار إلى جداول أعمال الجلسات، التي باتت حصراً بيد رئيس المجلس ومكتبه، مع حرمان النواب من الحق المباشر في اقتراح إدراج قضايا عامة وملحة.
تقزيم الدور الرقابي وإلغاء صلاحية “حجب الثقة”
ويمثل النظام الداخلي الجديد تراجعاً حاداً في الأدوات الرقابية المتاحة لأعضاء البرلمان في مواجهة السلطة التنفيذية؛ إذ جرى اختزالها بصورة كبيرة لتقتصر على ما يُعرف بـ”طلب الاستماع”، مع تجريد المجلس من أدواته التصعيدية التقليدية كالأسئلة والاستجواب والمناقشة العامة.
والأكثر إثارة للانتقاد هو إلغاء أو سحب صلاحيات حجب الثقة عن الحكومة أو الوزراء؛ حيث لا يترتب على تخلف المسؤول عن الحضور أو امتناعه عن تقديم المستندات أي جزاء سياسي أو قانوني ملزم، بل ينحصر الإجراء في عبارات فضفاضة مثل “إعادة دعوته” أو “إبلاغ الجهة الرئاسية”، مما يحول المساءلة إلى مجرد إجراء شكلي بلا أثر حقيقي، ويكرس تبعية البرلمان الكاملة للسلطة التنفيذية التي تحظى مشاريع قوانينها بأولوية مطلقة.
عزل النواب وشرعنة “تشريع الأقلية”
وتتضمن المسودة بنوداً تُضعف القدرة الجماعية للنواب عبر حظر إنشاء التكتلات أو التجمعات ذات الطابع السياسي أو الحزبي داخل المجلس، وهو ما يراه مراقبون نسفاً لجوهر العمل البرلماني القائم على تنسيق المواقف، مستهدفاً تحويل النواب إلى أفراد معزولين يسهل توجيههم.
وبالتوازي مع ذلك، تشرعن المادة 85 من المسودة آلية فضفاضة للنصاب القانوني؛ فبينما يُشترط افتتاحه بالأغلبية المطلقة، يُسمح بخفضه إلى الثلث فقط إذا لم يكتمل النصاب خلال ساعتين، مع عدم تأثر صحة الجلسة بمغادرة الأعضاء لاحقاً. هذا الخلل الإجرائي يعني عملياً إمكانية تمرير قرارات ومشاريع قوانين كبرى بموافقة سدس أعضاء المجلس فقط (نحو 36 عضواً من أصل 210 نواب)، مما يفقد القرارات الصادرة شرعيتها التمثيلية الحقيقية.
عبارات فضفاضة لتقييد النقد وشعائر إلزامية
وفرضت المسودة قيوداً تعبيرية صارمة تحت طائلة العقوبات المسلكية عبر حظر “الخطاب الفئوي أو المناطقي”، واستخدام مصطلحات مطاطة مثل “رموز الدولة” و”سلامة النظام الدستوري”.
ويرى حقوقيون أن غياب التعريفات الدقيقة لهذه العبارات يتيح استخدامها كأدوات قانونية لإسكات النواب، وتجريم النقد السياسي، ومنع نقاش المظالم التنموية أو التوزيع غير العادل للموارد بين المحافظات.
كما انتقد باحثون إلزامية تلاوة آيات من القرآن الكريم في افتتاح واختتام الدورات، معتبرين أن إقحام الشعائر الدينية كإجراء إداري إلزامي يغفل طبيعة البرلمان كمؤسسة سياسية مدنية يفترض أن تمثل جميع المواطنين على قدم المساواة.
ويكشف مسار مناقشة النظام الداخلي لمجلس الشعب السوري (والذي مرر أكثر من 60 مادة من أصل 220 حتى الآن) عن انقسام واضح بين أقلية نيابية تحاول الدفاع عن استقلالية المؤسسات بناءً على شرعيتها الانتخابية، وأكثرية رمادية تدفع نحو مأسسة الاستبداد. إن الفلسفة التي بنيت عليها المسودة الحالية لا تهدف إلى صياغة برلمان يمثل إرادة السوريين، بل تكرس عقلية التعامل مع الدولة كـ”غنيمة”، وتحويل مجلس الشعب إلى واجهة ديكورية خاضعة بالكامل لسيطرة السلطة التنفيذية ومكتب الرئاسة.



