حزب أوزيل يرسخ موقعه في المعارضة التركية وسط مـ ـوجة انشقاقات متواصلة من “الشعب الجمهوري”

يشهد المشهد السياسي التركي تحولاً متسارعاً بعد تأسيس “الحزب الجديد” بقيادة أوزغور أوزيل، الذي انتقل خلال أيام قليلة من كيان سياسي ناشئ إلى حزب المعارضة الرئيسي في البرلمان، مستفيداً من مـ ـوجة استقالات غير مسبوقة داخل حزب الشعب الجمهوري. ويواصل الحزب استكمال هياكله التنظيمية وتوسيع قاعدته السياسية، في وقت تتصاعد فيه حـ ـدة الأزمـ ـة داخل أكبر أحزاب المعارضة التقليدية، التي دخلت مرحلة من الانقسام بعد القرارات القـ ـضائية المتعلقة بقيادتها.

استكمال الهياكل التنظيمية

وترأس أوزغور أوزيل أول اجتماع مغلق للمجموعة البرلمانية للحزب الجديد، بحضور جميع أعضاء الكتلة البرلمانية البالغ عددهم 91 نائباً، حيث جرى استكمال تشكيل الهيكل الإداري للمجموعة، واختيار نائب رئيس البرلمان عن الحزب، في خطوة اعتبرها أوزيل إعلاناً لانتهاء مرحلة التأسيس والانطلاق الفعلي للعمل السياسي.

وأكد أوزيل عقب الاجتماع أن الحزب بات يمتلك جميع هيئاته التنفيذية والإدارية، معتبراً أنه أول حزب في تاريخ الجمهورية التركية يتولى قيادة المعارضة مباشرة بعد تأسيسه، وهو ما يعكس، بحسب قوله، حجم التأييد الذي حظي به منذ انطلاقه.

وجاء تأسيس الحزب عقب استقالة أوزيل وتسعين نائباً من حزب “الشعب الجمهوري”، احتجاجاً على قرار قضائي قضى بعزله مؤقتاً وإعادة الرئيس السابق للحزب كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسته بشكل مؤقت، إلى حين صدور الحكم النهائي من محكمة النقض بشأن قضية “البطلان المطلق” للمؤتمر العام الذي انتُخب خلاله أوزيل رئيساً للحزب.

تغيّر موازين المعارضة

وأدى انتقال عشرات النواب إلى الحزب الجديد إلى إعادة رسم خريطة المعارضة داخل البرلمان التركي، إذ أصبح الحزب الجديد القوة المعارضة الأولى، بينما تراجع حزب “الشعب الجمهوري” إلى المرتبة الخامسة بعد أن انخفض عدد نوابه إلى 44 نائباً فقط.

ولا تبدو موجة الانشقاقات مرشحة للتوقف، إذ تشير المعطيات إلى احتمال انضمام عدد إضافي من النواب خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي قد يزيد من اتساع الفجوة بين الحزبين ويمنح أوزيل مساحة أوسع لترسيخ موقعه زعيماً للمعارضة.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات تمثل واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل المعارضة التركية منذ عقود، خصوصاً أنها جاءت نتيجة أزمة قانونية داخل الحزب التاريخي، وليس نتيجة انتخابات أو تحالفات سياسية جديدة.

انتقال رؤساء البلديات

ولم تقتصر الانشقاقات على أعضاء البرلمان، بل امتدت إلى الإدارات المحلية، حيث أعلن أوزيل أن أكثر من 200 رئيس بلدية تقدموا بطلبات للانضمام إلى الحزب الجديد بعد استقالتهم من “الشعب الجمهوري”.

كما أعلن عن انضمام 265 نائباً سابقاً إلى الحزب، في مؤشر على اتساع قاعدة المؤيدين للمشروع السياسي الجديد، الذي يسعى إلى استقطاب القيادات المحلية والكوادر التنظيمية للحزب الأم.

وفي المقابل، أوضح أوزيل أن رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش لم ينضم حتى الآن إلى الحزب الجديد، لكنه شدد على أنه لا يمكن وصفه بالمنشق، مؤكداً أنه دعم تأسيس الحزب ويحافظ على علاقة إيجابية مع قيادته.

توجيهات لتجنب الصدام

وفي محاولة لتجنب تعميق الانقسام داخل صفوف المعارضة، دعا أوزيل نواب حزبه إلى التركيز على القضايا التي تهم المواطنين والابتعاد عن الدخول في سجالات سياسية، ولا سيما مع حزب “الشعب الجمهوري”.

وتعكس هذه التوجيهات محاولة للحفاظ على صورة الحزب باعتباره بديلاً سياسياً يسعى إلى منافسة السلطة الحاكمة، بدلاً من الانشغال بالصراعات الداخلية مع الحزب الذي انشق عنه.

ويرى متابعون أن هذه المقاربة تهدف أيضاً إلى استقطاب قواعد “الشعب الجمهوري” دون الدخول في مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى خسارة جزء من القاعدة الشعبية المعارضة.

الجدل حول هوية الحزب

وتطرق أوزيل إلى الجدل الذي أثاره اسم الحزب وطريقة تصميمه، بعد الانتقادات التي وجهتها شخصيات مقربة من حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، والتي قارنت تصميم اسم الحزب بعلامة تجارية لمشروب كحولي.

ورفض أوزيل تلك الانتقادات، موضحاً أن التصميم الحالي يمثل اسم الحزب وليس شعاره الرسمي، وأن الهدف منه ترسيخ اسم الحزب في أذهان الناخبين خلال المرحلة الأولى.

وأضاف أن الحزب يعتزم مستقبلاً إطلاق مسابقة لاختيار شعاره الرسمي، على أن يتم اعتماد الشعار الجديد خلال المؤتمر العام الأول المتوقع عقده في شهري أكتوبر أو نوفمبر المقبلين، بعد استطلاع آراء الأعضاء والرأي العام.

قضية “البطلان المطلق”

ورغم انطلاق الحزب الجديد، ما تزال قضية “البطلان المطلق” للمؤتمر العام لحزب “الشعب الجمهوري” تشكل أحد أبرز الملفات المؤثرة في المشهد السياسي.

ورداً على احتمال إلغاء المحكمة العليا قرار محكمة الاستئناف وإعادته رسمياً إلى قيادة الحزب القديم، أكد أوزيل أن السياسة لا تحتمل الانتظار، وأن حزبه سيواصل مسيرته بغض النظر عن التطورات القضائية.

وأشار إلى أن قرار تأسيس الحزب جاء استجابة لما وصفه بإرادة الناخبين، وأن المشروع السياسي الجديد أصبح واقعاً قائماً لا يرتبط بمصير القضية أمام القضاء.

أزمة “الكومبارس” تلاحق “الشعب الجمهوري”

وفي سياق متصل، رفض أوزيل الخوض في تفاصيل الاتهامات التي طالت حزب “الشعب الجمهوري” بشأن الاستعانة بممثلين “كومبارس” لحضور فعالية جماهيرية نظمت في إسطنبول دعماً لكمال كليتشدار أوغلو.

ولكنه انتقد في المقابل الإجراءات القضائية المتخذة بحق الصحافية إبرو تشيليك، التي كشفت القضية، معتبراً أن الرد على التقارير الصحافية يجب أن يكون عبر الشفافية وتقديم الأدلة، لا من خلال ملاحقة الصحافيين.

وكانت تشيليك قد قالت إن مئات الأشخاص جرى استقدامهم إلى الفعالية عبر وكالات إنتاج فني مقابل مبالغ مالية لإظهار وجود تأييد جماهيري واسع لكليتشدار أوغلو، وهي رواية أثارت جدلاً واسعاً في تركيا.

وفي المقابل، نفى مسؤولون في “الشعب الجمهوري” صحة الاتهامات، بينما تقدم رئيس فرع الحزب في إسطنبول غورسال تكين بشكوى جنائية ضد الصحافية وعدد من العاملين في وسائل إعلام معارضة، متهماً إياهم بنشر معلومات مضللة والتشهير بالحزب.

مرحلة جديدة في المعارضة

وتشير التطورات المتسارعة إلى أن المعارضة التركية دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة تشكيل موازين القوى بين أحزابها الرئيسية. فالحزب الجديد بقيادة أوزيل نجح خلال فترة وجيزة في استقطاب كتلة برلمانية كبيرة وعدد واسع من القيادات المحلية، ما جعله يتصدر المشهد المعارض، في حين يواجه حزب “الشعب الجمهوري” تحديات تنظيمية وسياسية غير مسبوقة منذ تأسيسه.

ومع استمرار الانشقاقات، وبقاء النزاع القضائي حول قيادة الحزب القديم دون حسم نهائي، تبدو المنافسة داخل معسكر المعارضة مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع استعداد الحزب الجديد لتوسيع حضوره التنظيمي وعقد مؤتمره العام الأول، في محاولة لترسيخ نفسه بوصفه المنافس الرئيسي للسلطة الحاكمة في تركيا.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى