أكوام النفايات تخـ ـنق السوريين… الحـ ـرق يتحول إلى مـ ـلاذ اضطراري وسط انهـ ـيار الخدمات

لم تعد أزمـ ـة النفايات في سوريا مجرد مشـ ـكلة خدمية مرتبطة بتأخر جمع القمامة، بل تحولت إلى واحدة من أبرز الأزمـ ـات اليومية التي تهـ ـدد الصحة العامة والبيئة في مختلف المحافظات، مع استمرار تراجع خدمات النظافة، وتراكم النفايات في الأحياء السكنية، واضطرار الأهالي إلى إحـ ـراقها للتخلص منها، في مشهد يعكس حجم التدهـ ـور الذي أصاب القطاعات الخدمية في البلاد.
وتشهد مدن وبلدات سورية عديدة تزايداً ملحوظاً في شكاوى السكان من تراكم القمامة لأيام، وأحياناً لأسابيع، دون تدخل من الجهات المعنية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الروائح الكريهة والحشرات والقوارض، وتحول الساحات العامة ومحيط المدارس والأسواق والمنازل إلى مكبات نفايات مفتوحة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وما يرافقها من مخاطر صحية متزايدة.
الحرق… حل اضطراري يفاقم الأزمة
وفي ظل غياب الحلول الخدمية، وجد كثير من الأهالي أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما ترك أكوام القمامة تتراكم بالقرب من منازلهم وما يرافقها من انتشار للحشرات والروائح، أو اللجوء إلى إحراقها للتخفيف من آثارها المباشرة، رغم معرفتهم بالمخاطر التي يسببها الدخان السام الناتج عن احتراق النفايات.
ويؤكد سكان في عدد من المناطق أن اللجوء إلى الحرق لا يعكس رغبة أو استهتاراً بالمخاطر البيئية، وإنما جاء نتيجة غياب عمليات الترحيل المنتظمة، وعجز البلديات عن مواكبة حجم النفايات المتراكمة، الأمر الذي جعل الحرق الوسيلة الوحيدة المتاحة للتعامل مع المشكلة.
غير أن هذا الحل المؤقت يفتح الباب أمام أزمة صحية جديدة، إذ يؤدي احتراق النفايات، ولا سيما البلاستيكية منها، إلى انبعاث غازات ومواد سامة تؤثر بشكل مباشر على الجهاز التنفسي، وتزيد من احتمالات الإصابة بالحساسية والربو وأمراض الرئة، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة.
أزمة خدمات تتكرر في أكثر من محافظة
ولا تقتصر الأزمة على منطقة بعينها، إذ رصدت الأشهر الماضية تكرار الشكاوى من تراجع خدمات النظافة في عدد من المحافظات السورية، وسط ضعف الإمكانات الخدمية ونقص الآليات والوقود والكوادر.
وفي مدينة الحجر الأسود بريف دمشق، على سبيل المثال، اشتكى الأهالي من بقاء الحاويات ممتلئة لأكثر من عشرين يوماً دون تفريغ، ما أدى إلى تحولها إلى مكبات كبيرة أعاقت حركة السير وانتشرت حولها الحشرات والقوارض، في ظل غياب شبه كامل لخدمات النظافة.
كما تشهد مدن وبلدات أخرى ظروفاً مشابهة، حيث أصبحت أكوام النفايات جزءاً من المشهد اليومي، في وقت تتزامن فيه الأزمة مع انقطاع الكهرباء وتراجع خدمات المياه والاتصالات، الأمر الذي يضاعف معاناة السكان ويزيد من الضغوط المعيشية عليهم.
أزمة تتجاوز النظافة إلى الصحة العامة
ويرى مختصون أن خطورة المشكلة لا تكمن فقط في المظهر العام أو الروائح الكريهة، وإنما في تأثيرها المباشر على الصحة العامة والبيئة، إذ تشكل النفايات المتراكمة بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والبعوض والقوارض، بما يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المعدية، فضلاً عن تلويث التربة والهواء والمياه.
كما أن استمرار إحراق النفايات داخل الأحياء السكنية يؤدي إلى تدهور جودة الهواء، ويزيد من مستويات التلوث البيئي، الأمر الذي ينعكس على مختلف الفئات العمرية، ويشكل عبئاً إضافياً على القطاع الصحي الذي يعاني أساساً من نقص الإمكانات.
الأهالي: المطلوب حلول دائمة لا إجراءات مؤقتة
ويؤكد المواطنون أن معالجة الأزمة لا تكون عبر مطالبتهم بعدم حرق النفايات فقط، وإنما تبدأ بإعادة تفعيل خدمات النظافة بصورة منتظمة، وتأمين عدد كافٍ من الحاويات والآليات، ووضع برامج واضحة لترحيل النفايات بشكل دوري يمنع تراكمها.
كما يدعو الأهالي إلى تخصيص فرق استجابة سريعة لمعالجة الشكاوى، وتحسين إدارة قطاع النظافة، بما يضمن عدالة توزيع الخدمات بين مختلف الأحياء، وعدم ترك بعض المناطق تعاني لأيام أو أسابيع دون جمع النفايات.
ويرى كثيرون أن المبادرات الشعبية للحفاظ على النظافة يمكن أن تكون عاملاً مساعداً، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن مسؤولية البلديات والجهات الخدمية، التي يقع على عاتقها تأمين واحدة من أكثر الخدمات الأساسية ارتباطاً بصحة المواطنين.
أزمة تعكس واقعاً خدمياً متدهوراً
وتأتي أزمة النفايات في سياق أوسع من التحديات الخدمية التي تواجهها مختلف المناطق السورية، حيث تتداخل مشكلات النظافة مع نقص المياه والكهرباء وتراجع الخدمات الصحية، ما يجعل المواطن يواجه سلسلة متواصلة من الأزمات اليومية.
وفي ظل استمرار هذا الواقع، تبدو معالجة ملف النفايات أكثر من مجرد تحسين للمشهد الحضري، إذ أصبحت قضية ترتبط بالصحة العامة، والبيئة، وكرامة السكان، وجودة الحياة، وسط مطالبات متزايدة بوضع هذا الملف ضمن أولويات الجهات المعنية، قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة صحية وبيئية يصعب احتواؤها.



