تركيا على الحدود اللبنانية.. حارس الناتو أم بوابة السـ ـلاح إلى حـ ـزب اللـ ـه؟

تشهد الحدود السورية – اللبنانية تحركات عسكرية وأمنية متسارعة تثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة الدور الذي تسعى تركيا إلى فرضه في هذه المنطقة الحساسة، وسط مؤشرات على ترتيبات تتجاوز مسألة ضبط الحدود لتطال إعادة رسم خرائط النفوذ والتحكم بأحد أكثر الملفات تعقيداً في المشرق.
وبالتوازي مع انتشار قوات تابعة للحكومة السورية في ريف حمص ومنطقة القلمون تحت عنوان مكافحة التهريب وضبط المعابر غير الشرعية، برز الحضور التركي بصورة أكثر وضوحاً، مع انتشار جنود أتراك ورفع الأعلام التركية في عدد من النقاط والمعابر الحدودية المقابلة للبنان، من بينها جوسية بريف حمص الجنوبي المقابلة لمنطقة القاع، وتل كلخ المقابلة لوادي خالد، ومعبر الزمراني ومحيط بلدة الجراجير المقابل لجرود عرسال، إضافة إلى معبر الدبوسية المقابل لمنطقة العبودية في عكار.
وتزامنت هذه التحركات مع سلسلة لقاءات واتصالات سياسية إقليمية ودولية، أعقبها حديث متزايد عن ترتيبات جديدة تخص الحدود السورية – اللبنانية. كما ينظر إلى زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى تركيا باعتبارها جزءاً من مشاورات تدور حول مستقبل هذا الملف، في ظل سعي أنقرة للحصول على دور مباشر في إدارة الشريط الحدودي والتحكم بمفاصله الأمنية.
ذريعة حزب الله.. والتمدد تحت غطاء أمني
الرواية الرسمية تتحدث عن انتشار يهدف إلى منع تهريب الأسلحة إلى حزب الله وإغلاق المعابر غير الشرعية، غير أن مصادر مطلعة ترى أن هذا العنوان لا يعدو كونه غطاءً سياسياً وأمنياً لتوسيع الحضور التركي وفرض واقع جديد على الحدود السورية – اللبنانية.
وتؤكد المصادر أن الحدود تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى أحد أبرز مسارات انتقال الأسلحة والذخائر المتجهة إلى حزب الله، إلا أن الوجود العسكري التركي لم يؤدِّ إلى وقف هذا التدفق أو الحد منه، بل ساهم في توفير بيئة ميدانية تسمح باستمراره وتسهّل مرور الأسلحة والذخائر عبر مناطق تقع ضمن نطاق النفوذ التركي المباشر. وترى المصادر أن أنقرة تستثمر هذا الواقع لتحقيق جملة من المصالح الاستراتيجية، تبدأ بتكريس نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في الملف السوري – اللبناني، ولا تنتهي عند استخدام ملف الحدود والسلاح كورقة مساومة في علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية.
أنقرة بين الناتو وحزب الله.. لعبة المصالح
وبحسب مصادر مطلعة، فإن تركيا تمارس سياسة تقوم على إدارة التناقضات أكثر من حلها. فمن جهة، تقدم نفسها أمام الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بوصفها القوة القادرة على مراقبة الحدود وقطع خطوط الإمداد المرتبطة بحزب الله والمحور الإيراني، وتسعى إلى تسويق وجودها العسكري باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي التي تخدم المصالح الغربية.
ومن جهة أخرى، تؤكد المصادر أن الحضور العسكري التركي على الأرض لا ينعكس عملياً في صورة إجراءات تحدّ من تدفق السلاح، بل إن السيطرة على المعابر والممرات الحدودية تمنح أنقرة قدرة استثنائية على التحكم بحركة العبور واستخدامها بما يخدم حساباتها الخاصة. ووفق هذه القراءة، فإن تركيا لا تتعامل مع ملف السلاح باعتباره تهديداً ينبغي إنهاؤه، بل باعتباره ورقة نفوذ يمكن توظيفها لتعزيز موقعها الإقليمي وتحسين شروط التفاوض مع مختلف الأطراف.
وترى المصادر أن الهدف الحقيقي لأنقرة يتجاوز بكثير مسألة مكافحة التهريب أو حماية الحدود، إذ تسعى إلى تثبيت حضور عسكري وأمني طويل الأمد في منطقة تشكل نقطة التقاء للمصالح السورية واللبنانية والإيرانية والدولية. ومن خلال الإمساك بملف الحدود والسلاح، تحاول تركيا فرض نفسها طرفاً لا غنى عنه في أي تسوية سياسية أو أمنية مقبلة.
لذلك، ترى المصادر أن أنقرة تلعب على حبلين في آن واحد؛ فهي تخاطب الناتو والغرب بلغة مكافحة تهريب السلاح إلى حزب الله، بينما يتيح لها نفوذها الميداني على الأرض إدارة هذا الملف بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية. وبذلك يتحول شعار محاربة التهريب، وفق هذه المقاربة، إلى أداة لتوسيع النفوذ أكثر منه مشروعاً حقيقياً لوقف تدفق الأسلحة، ما يجعل الدور التركي على الحدود السورية – اللبنانية موضع شك وتساؤل متزايدين حول أهدافه الفعلية ومآلاته المستقبلية.



