تقرير فرنسي: الإعلام السوري بعد الأسد.. انفتاح هش ومخاوف من عودة القيود

رغم التقدم في مؤشرات حرية الصحافة، لا يزال الصحفيون السوريون يواجهون بيئة قانونية ضبابية وضغوطاً تحدّ من استقلالية الإعلام.

سلّط تقرير نشرته منصة «أوريان 21» الفرنسية الضوء على واقع الإعلام السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، مشيراً إلى أن البلاد تشهد تحولاً جذرياً في المشهد الإعلامي مع اتساع هامش حرية التعبير مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن هذا الانفتاح ما يزال محاطاً بتحديات قانونية وأمنية وإدارية تثير مخاوف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية بشأن مستقبل الحريات الصحفية في البلاد.

وأوضح التقرير أن انهيار المنظومة الإعلامية التي كانت تخضع لرقابة الدولة لعقود أتاح ظهور وسائل إعلام عامة وخاصة ومستقلة، غير أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا أفرزت علاقة معقدة بين الصحافة والسلطات الجديدة في دمشق، في ظل استمرار حالة الاستقطاب السياسي والأمني.

ضوابط النشر تثير مخاوف الصحفيين

أشار التقرير إلى أن إعلان وزارة الإعلام السورية في حزيران/يونيو 2026 مجموعة من الضوابط المتعلقة بالنشر، من بينها “المساس بسيادة الدولة” و”نشر الأخبار الكاذبة” و”إثارة الكراهية”، أثار مخاوف واسعة من إمكانية استخدام هذه البنود بشكل فضفاض لتقييد حرية العمل الصحفي.

وفي المقابل، سجلت سوريا تقدماً ملحوظاً في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، بعد أن صعدت عشرات المراتب مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما عزاه التقرير إلى انتهاء مرحلة الانتهاكات الواسعة التي تعرض لها الصحفيون في عهد النظام السابق.

قوانين موروثة تعيق حرية التعبير

ونقل التقرير عن صحفيين وعاملين في القطاع الإعلامي قولهم إن المشكلة الأساسية لا تقتصر على الإجراءات الحالية، بل ترتبط أيضاً باستمرار العمل بقوانين موروثة من عهد الأسد، وعلى رأسها قانون الجرائم الإلكترونية الصادر عام 2022، والذي يتضمن بنوداً فضفاضة قد تستخدم للحد من حرية التعبير.

كما أشار إلى أن البيئة الإعلامية السورية ما تزال تفتقر إلى إطار قانوني واضح يكفل حماية الصحفيين وينظم عمل المؤسسات الإعلامية بشكل مستقل، لافتاً إلى تسجيل حالات تضييق وضغوط على الصحفيين خلال الفترة الماضية.

من الرقابة المركزية إلى الضغوط غير المباشرة

وبحسب التقرير، انتقل المشهد الإعلامي السوري من نموذج الرقابة المركزية الصارمة الذي كان سائداً في عهد الأسد إلى نموذج جديد يتسم بالغموض القانوني والتحكم بمنح التراخيص والضغوط غير الرسمية على وسائل الإعلام.

وأضاف أن السلطات ما تزال تتحكم إلى حد كبير بإمكانية الوصول إلى بعض المواقع والأحداث الحساسة، حيث تحدث صحفيون عن منع وسائل إعلام مستقلة من تغطية بعض التفجيرات أو الحوادث الأمنية، مقابل منح وسائل الإعلام الرسمية إمكانية الوصول إلى المعلومات ومواقع الأحداث.

إعادة تشكيل الإعلام الرسمي

وفي موازاة ذلك، تناول التقرير عملية إعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية الرسمية، والتي شملت تغيير الإدارات وإعادة إطلاق بعض المنصات الإعلامية بأسماء وشعارات جديدة في محاولة للابتعاد عن إرث الدعاية السياسية المرتبط بالنظام السابق.

إلا أن منتقدين يرون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير الأسماء والشعارات، بل في ضمان استقلالية هذه المؤسسات وقدرتها على أداء دور إعلام الخدمة العامة بعيداً عن التوجيه الحكومي.

الإعلام المستقل أمام تحديات التمويل والمنافسة

أما وسائل الإعلام المستقلة، فأوضح التقرير أنها تواجه تحديات مالية وإدارية متزايدة نتيجة تراجع التمويل الدولي المخصص للإعلام والمجتمع المدني، الأمر الذي أثر على قدرتها في التوسع واستقطاب كوادر جديدة والحفاظ على استمرارية عملها.

وأشار التقرير إلى أن العديد من المنصات الإعلامية المستقلة تحاول تعزيز حضورها داخل سوريا بعد سنوات من العمل في الخارج، لكنها تواجه منافسة متزايدة من المؤسسات الإعلامية المدعومة من دول إقليمية، وخاصة وسائل الإعلام الخليجية التي تمتلك إمكانات مالية وتقنية أكبر.

مستقبل الصحافة السورية رهين الإصلاحات

وختم التقرير بالتأكيد على أن مستقبل الإعلام السوري سيبقى مرتبطاً بقدرة السلطات على إقرار تشريعات حديثة تضمن حرية العمل الصحفي واستقلالية المؤسسات الإعلامية، وتوفر الحماية القانونية للصحفيين، إلى جانب إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة بعيداً عن نفوذ السلطة التنفيذية.

وفي ظل استمرار المرحلة الانتقالية، تبقى الأسئلة مطروحة حول دور الإعلام في سوريا الجديدة، ومن يمتلك القدرة على الوصول إلى المعلومات وتقديم صورة دقيقة عن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى