من يقود بوصلة دمشق؟ تفاصيل صراع تركي–إماراتي على ملفات الحرب والطاقة والنفوذ

كشفت معلومات واردة عن اجتماع عُقد في دمشق نهاية شهر تموز/يوليو الفائت عن صورة شديدة التعقيد للتجاذبات الإقليمية المحيطة بسوريا، وسلطت الضوء على محاولات لتوجيه القرار السوري نحو الانخراط في صراعات خارجية، مقابل مساعٍ مضادة لإحباط تلك التوجهات. وتفتح هذه المعطيات الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة الصراع الدائر خلف الكواليس، وحجم التضليل الإعلامي والتلاعب السياسي الذي يرافق الملفات الحساسة في المنطقة.

حصل موقع “فوكس برس” على معطيات ومعلومات موثوقة تعود لنهاية شهر تموز الفائت، تكشف تفاصيل اجتماع رفيع المستوى انعقد في العاصمة السورية دمشق. وضم الاجتماع ضباطاً عسكريين إماراتيين ومسؤولي وزارة الدفاع السورية، بحضور ممثلين عن مكتب الرئاسة السورية، قبل أن يواجه المخطط تدخلاً حاسماً ومباشراً من الجانب التركي.

خطة إماراتية لتمويل عملية ضد حزب الله

وبحسب المعلومات، فقد عُقد في العشر الأخير من تموز الفائت اجتماع في دمشق شارك فيه ضباط عسكريون إماراتيون ووزارة الدفاع السورية، إلى جانب حضور مكتب الرئاسة السورية. وخلال الاجتماع، قدم الضباط الإماراتيون برنامجاً لوزارة الدفاع السورية يتضمن تمويل عملية عسكرية سورية ضد حزب الله في لبنان.

وكشفت مصادر مطلعة أن البرنامج المقترح تضمن تكفل دولة الإمارات بكامل تكاليف العملية العسكرية السورية ضد حزب الله، إضافة إلى تقديم دعم مالي مباشر للأفراد السوريين المشاركين فيها، بحيث خُصص مبلغ 2500 دولار أمريكي لكل شخص مشارك. كما شمل البرنامج، بحسب المصادر، توفير دعم معلوماتي للعملية العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.

دمشق تنقل الخطة إلى الجانب التركي

غير أن المصادر أشارت إلى أن وزارة الدفاع السورية قامت بإطلاع الجانب التركي على التفاصيل الكاملة للخطة الإماراتية المتعلقة بحزب الله، الأمر الذي أدى إلى تدخل تركي مباشر لإيقاف المشروع.

ووفقاً للمصادر، أبلغت الدولة التركية الرئاسة السورية ووزارة الدفاع بأن تنفيذ عملية عسكرية سورية ضد حزب الله لا يمكن قبوله، وأنها ستؤدي إلى الإضرار بالوضع الداخلي في سوريا، محذرة من أن أي مواجهة عسكرية داخل الأراضي اللبنانية لن تبقى محصورة هناك، وإنما ستتحول إلى نزاع إقليمي واسع يتجاوز لبنان ليشمل المجتمعات الشيعية والسنية، ويمتد تأثيره إلى داخل تركيا، وصولاً إلى باكستان واليمن والبحرين ودول الخليج والعراق.

أنقرة: المبادرة إماراتية شكلاً وإسرائيلية مضموناً

وأضافت المصادر أن الجانب التركي أبلغ الجانب السوري بأن البرنامج الذي قُدم على أنه مبادرة إماراتية هو في حقيقته برنامج إسرائيلي، وأن الإمارات ليست سوى الجهة التي تنقل هذا المشروع.

وبحسب المصادر، نصحت الدولة التركية الحكومة السورية بالتركيز حصراً على حماية الحدود السورية، وعدم الانخراط في حرب مع إيران أو مع الأطراف المرتبطة بها، محذرة من أن مثل هذا الصراع ستكون له انعكاسات استراتيجية خطيرة على سوريا، وفي مقدمتها تداعيات تتعلق بإمدادات الطاقة.

مخاوف تركية على الطاقة وخطوط الأنابيب

وأشارت المصادر إلى أن الجانب التركي أوضح أيضاً أن أي عملية عسكرية ضد حزب الله ستنعكس مباشرة على خط أنابيب النفط كركوك – بانياس، كما ستعرض مشاريع الطاقة وخطوط الأنابيب في المنطقة للخطر، وهو ما يهدد المصالح الاقتصادية لسوريا والدول المجاورة.

وفي السياق ذاته، نقلت المصادر أن تركيا أبلغت الجانب السوري بأن الأجندة الإسرائيلية لا تستهدف لبنان وحده، وإنما تستهدف الأمن القومي لكل من سوريا وتركيا معاً، معتبرة أن دفع دمشق إلى مواجهة مع حزب الله يصب في إطار مشروع أوسع لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

تحذيرات من صراع مذهبي وحرب داخل سوريا

كما حذرت أنقرة، وفق المعلومات، من أن إشعال صراع ذي طابع مذهبي بين السنة والشيعة في هذه المرحلة سيترك آثاراً مدمرة على مستقبل سوريا، وسيقوض فرص إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي والنمو الذي تحتاجه البلاد بعد سنوات الحرب.

وذهبت المعلومات التي كشفت عنها المصادر إلى أبعد من ذلك، إذ أكدت أن الجانب التركي أبلغ الجانب السوري بأن أي تدخل عسكري في لبنان سيؤدي إلى اندلاع حرب أهلية داخل سوريا نفسها، وهي نتيجة ترى أنقرة أنها تخدم أهداف كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

التجارة الإقليمية في دائرة الخطر

كما أبلغت الدولة التركية المسؤولين السوريين، بحسب المصادر، بأن أي حرب في لبنان ستؤثر بصورة مباشرة على حركة التجارة التركية نحو دول الخليج، ولا سيما عبر الطرق البرية التي تمر داخل الأراضي السورية ثم الأردنية، الأمر الذي يهدد أحد أهم مسارات النقل التجاري في المنطقة.

وتشير المعلومات أيضاً إلى أن المسؤولين الأتراك في أنقرة يتابعون بصورة مستمرة الضغوط الأمريكية المفروضة على سوريا فيما يتعلق بالملف اللبناني، إلى جانب المقترحات القادمة من بعض دول الخليج، بما فيها الإمارات العربية المتحدة، والتي تهدف ـ بحسب المصادر ـ إلى دفع سوريا نحو صراع إقليمي واسع لن يتوقف عند الساحة اللبنانية.

وتضيف المعلومات أن الجانب التركي يمتلك معرفة كاملة بخطط الولايات المتحدة المتعلقة بلبنان وحزب الله، وهو ما دفعه إلى التحرك بشكل نشط لعرقلة المبادرة ومنع تنفيذها.

خلاف تركي – إماراتي يتجاوز الملف اللبناني

ولا تتوقف المعطيات عند هذا الاجتماع فقط، إذ تشير المصادر إلى أن جذور الخلاف التركي ـ الإماراتي حول سوريا تعود إلى ما يقارب شهرين، عندما وقعت دولة الإمارات اتفاقيات اقتصادية مع الحكومة السورية لتطوير مشاريع اقتصادية على الساحل السوري.

وبحسب المصادر، تدخلت الدولة التركية في ذلك الوقت وأحبطت تلك الاتفاقيات، بعدما ربطت نشاط الشركات الإماراتية في الساحل السوري بما وصفته بالتوسع الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى تصاعد الشكوك التركية تجاه التحركات الإماراتية داخل سوريا.

وأضافت المصادر أن العروض العسكرية والمالية الحالية تمثل امتداداً لذلك المسار، إذ تؤكد أن الإمارات قدمت بالفعل عروضاً مالية وعسكرية للحكومة السورية الانتقالية بهدف خوض حرب ضد حزب الله، إلا أن الدولة التركية تدخلت مجدداً وأوقفت هذه الخطة.

وتشير المصادر إلى أن هذه التطورات عززت المخاوف التركية من المقاربة الإماراتية تجاه الملف السوري، بحيث أصبحت أنقرة تنظر إلى مختلف التحركات الإماراتية داخل سوريا باعتبارها تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية.

معركة السرديات والتنافس على النفوذ

وفي ضوء هذه المعلومات، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية عن التحركات العسكرية والسياسية، ويتمثل في معركة السرديات الإعلامية. فمثل هذه الملفات الحساسة غالباً ما تتحول إلى ساحة للتضليل الإعلامي والتوظيف السياسي، حيث تُستخدم التسريبات والمعلومات في التأثير على الرأي العام، أو توجيه الرسائل بين الأطراف الإقليمية، أو ممارسة الضغوط السياسية، أو تبرير مواقف معينة أمام الحلفاء والخصوم.

كما تعكس هذه المعطيات حجم التنافس الإقليمي على النفوذ داخل سوريا، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية وخطوط الطاقة والممرات التجارية، لتتحول الساحة السورية إلى محور تتقاطع عنده مشاريع متنافسة تتجاوز حدودها الجغرافية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى