اعتـ ـداءات على عائدي رأس العين.. تدخـ ـل تركي ومحـ ـاولات لإعادة إشـ ـعال الفـ ـتـ ـنة

شهدت مدينة رأس العين/سري كانيه، اليوم، توتـ ـراً أمـ ـنـ ـياً عقـ ـب وصول أول قافلة من العائلات المهـ ـجّرة العائدة إلى مدينتها، في مشهد كان يفترض أن يشكل بداية لعودة آلاف المهـ ـجرين إلى منازلهم بعد سنوات طويلة من النـ ـزوح، لكنه تحول إلى حـ ـالة من التوتـ ـر والاعتـ ـداءات، بعدما تعـ ـرض عدد من أفراد القافلة لهـ ـجمـ ـات من قبل مجمـ ـوعات من المستولين على ممتـ ـلكات المهـ ـجرين في المدينة.
وبحسب شهادات حصل عليها المرصد السوري لحقوق الإنسان، اعترضت مجموعات مسلحة من المستولين على ممتلكات المهجرين، القافلة لدى دخولها المدينة، واعتدت على عدد من العائدين بالضرب، بالتزامن مع إطلاق أعيرة نارية في الهواء، ما أثار حالة من الخوف والارتباك بين الأسر التي قطعت سنوات من التهجير أملاً في استعادة منازلها وممتلكاتها.
وأكد أحد العائدين، في شهادة خاصة للمرصد السوري، أن الاعتداءات طالت مسنين كانوا ضمن القافلة، فيما أفادت شهادة أخرى بأن عشرات الأشخاص هاجموا إحدى الحافلات التي تقل العائدين، مستخدمين العصي في الاعتداء على ركابها، بالتزامن مع إطلاق الرصاص في الهواء، وسط وجود نساء وأطفال داخل الحافلة.
وتكتسب هذه الاعتداءات خطورة إضافية كونها وقعت مع انطلاق أول عملية عودة منظمة لمهجري سري كانيه، بعد نحو سبع سنوات من النزوح. وكانت أكثر من 400 عائلة قد وصلت إلى المدينة ضمن الدفعة الأولى، في إطار ترتيبات هدفت إلى تنظيم عودة المهجرين وتأمين الظروف اللازمة لاستقرارهم.
ولم تكن المخاوف الأمنية المرتبطة بعودة المهجرين جديدة، إذ سبق أن وثق المرصد السوري، في حزيران/يونيو الماضي، تداول تهديدات علنية استهدفت العائلات الكوردية الراغبة في العودة، وسط مخاوف من استخدام الترهيب والمضايقات لدفع المهجرين إلى التراجع عن قرار العودة.
وتثير الاعتداءات الأخيرة، في هذا السياق، تساؤلات جدية حول الجهات المستفيدة من عرقلة عودة سكان سري كانيه إلى مدينتهم، خصوصاً أن العودة تعني عملياً إعادة آلاف العائلات إلى مناطقها الأصلية، وما يترتب على ذلك من تغيير في الواقع الديموغرافي والاجتماعي الذي نشأ خلال سنوات التهجير.
وفي هذا الإطار، تتهم معلومات متداولة بين أوساط سياسية وشعبية في المدينة، مجموعات مسلحة بالتحرك وفق توجيهات من الاستخبارات التركية بهدف عرقلة عودة المهجرين، ولا سيما الكورد منهم، والحفاظ على واقع فرضته سنوات السيطرة التركية والفصائل الموالية لها.
وتشير هذه الأوساط إلى أن سري كانيه تمثل مدينة ذات حضور كوردي بارز، وأن عودة سكانها الأصليين قد تعيد فتح ملف التغيير الديموغرافي الذي رافق الهجمات العسكرية التركية في تشرين الأول/أكتوبر 2019، عندما سيطرت القوات التركية وفصائل سورية موالية لها على المدينة وريفها، ما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من سكانها.
وفي السياق ذاته، تحدثت مصادر أخرى عن أن مجموعات الأشخاص الذين هاجموا العائدين هي نفسها التي حاولت، خلال تموز/يوليو الماضي، إشعال توتر عربي-كوردي في مناطق تل براك وتل حميس وريف الحسكة، عبر نصب «خيم الحرب».
وهدفت تلك التحركات إلى خلق حالة من الاحتقان بين المكونات العربية والكوردية وتحويل الخلافات السياسية والأمنية إلى صراع مجتمعي، إلا أن تلك المساعي لم تحقق أهدافها.
وحذرت المصادر، من محاولة إعادة إنتاج الأسلوب ذاته في رأس العين، ولكن هذه المرة عبر استهداف العائدين مباشرة، وتحويل عملية العودة من ملف إنساني وحقوقي إلى مصدر توتر أمني ومجتمعي. فبدلاً من أن تكون عودة المهجرين خطوة باتجاه معالجة آثار سنوات النزوح، قد تتحول الاعتداءات إلى وسيلة لزرع الخوف في نفوس العائلات وإقناعها بأن العودة غير آمنة.
وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه لجنة مهجري سري كانيه تعمل منذ أشهر على التحضير للعودة، بعدما سجلت نحو 14 ألف عائلة رغبتها في العودة إلى المدينة، وسط مطالب بتوفير الضمانات الأمنية والخدمات الأساسية. كما سبق أن أكدت اللجنة أن العودة يجب أن تكون منظمة ومدروسة وآمنة، بما يحفظ سلامة المواطنين وحقوقهم وكرامتهم.
وفي المقابل، فإن الاعتداء على القافلة الأولى يضع الجهات المسيطرة على الأرض أمام اختبار حقيقي: فإما أن تتم حماية العائدين ومحاسبة المعتدين، وإما أن تتحول عملية العودة إلى مسار محفوف بالترهيب والعنف، بما يمنح المتضررين من العودة فرصة لفرض أمر واقع جديد.
وتطالب أوساط المهجرين الحكومة الانتقالية في سوريا بتدخل عاجل لضبط الوضع، وتأمين الحماية للعائلات العائدة، ومنع تكرار الاعتداءات، إلى جانب محاسبة كل من يثبت تورطه فيها، بعيداً عن الانتماء القومي أو السياسي.



