أزمـ ـة السيولة في سوريا.. حين تعـ ـجز الحكومة عن توفير النقد وتدفع الفلاحين نحو “شام كاش”

كشفت الآلية الجديدة التي أعلنها المصرف الزراعي التعاوني لصرف مستحقات الفلاحين عن مشـ ـكلة مالية ونقدية تتجاوز مجرد إجراء مصرفي مؤقت، لتطرح أسئلة جدية حول قدرة الحكومة الانتقالية ومصرف سوريا المركزي على إدارة مرحلة استبدال العملة، وتأمين السيولة اللازمة لتلبية الالتزامات المالية تجاه المواطنين. فبدلاً من أن يؤدي سحب العملة القديمة وطرح العملة الجديدة إلى انتقال نقدي سلس، يجد الفلاح السوري نفسه أمام واقع جديد: أموال مستحقة له لدى مؤسسة حكومية، لكن المصرف لا يملك السيولة الكافية لدفعها كاملة نقداً.

وبحسب التعميم الصادر عن المصرف الزراعي التعاوني، سيتم تحويل 25 في المئة من صافي مستحقات الفلاحين عن قيم الحبوب إلى حساباتهم عبر خدمة “شام كاش”، فيما ستُصرف نسبة 75 في المئة المتبقية وفق التعليمات المعتمدة لدى المصرف. وأوضح التعميم أن الإجراء جاء بسبب عدم توفر السيولة اللازمة لدى مصرف سوريا المركزي لصرف كامل قيم الحبوب للموسم الحالي 2025-2026.

ويكشف هذا القرار بوضوح أن أزمة السيولة لم تعد قضية مرتبطة بالمواطنين أو الأسواق فقط، وإنما وصلت إلى المؤسسات الحكومية التي يفترض أن تكون الجهة الأكثر قدرة على توفير النقد وتسديد المستحقات. فحين تضطر مؤسسة مصرفية رسمية إلى تجزئة مستحقات الفلاحين، وتحويل ربعها إلى محفظة إلكترونية بدلاً من دفعها نقداً، فإن السؤال الأساسي يصبح متعلقاً بإدارة الكتلة النقدية، ومدى نجاح عملية استبدال العملة، وما إذا كانت الحكومة قد وفرت البديل النقدي قبل سحب العملة القديمة من التداول.

وكان مصرف سوريا المركزي قد أعلن في بداية عملية الاستبدال أن الخطة تقوم على استبدال العملة بعملة جديدة دون زيادة الكتلة النقدية، مع الحفاظ على الكتلة النقدية بهدف الحد من التضخم. كما بدأت عملية توزيع العملة الجديدة على المصارف العامة والخاصة وشركات الصرافة والحوالات في مطلع كانون الثاني 2026.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن المشكلة لا تتعلق فقط باستبدال الأوراق النقدية القديمة بأخرى جديدة، بل بقدرة النظام المصرفي على توفير النقد الجديد في الوقت والمكان المناسبين. ومع انتهاء مهلة استبدال العملة القديمة في 30 تموز/يوليو، دخلت سوريا مرحلة جديدة أصبحت فيها العملة الجديدة هي النقد المتداول، بينما بقيت شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول عليها والسيولة المتاحة حاضرة في عدد من المناطق.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد وثق قبل انتهاء المهلة شكاوى متزايدة من صعوبات استبدال العملة القديمة، ونقص المراكز المصرفية في بعض المناطق، الأمر الذي دفع مواطنين إلى الاعتماد على وسطاء وجهات أخرى لإتمام عملية الاستبدال. كما ظهرت تقارير صحفية عن استمرار إشكالات مرتبطة بتوفير الفئات الجديدة، في وقت كانت السلطات تشدد فيه على منع تداول الفئات القديمة.

“شام كاش”.. حل للسيولة أم بديل مفروض؟

وفي ظل هذا النقص، برز تطبيق “شام كاش” بصورة متزايدة كأداة تستخدمها الحكومة لصرف الأموال، وهو ما بدأ منذ العام الماضي مع اعتماد التطبيق لتحويل رواتب وأجور العاملين في القطاع العام. فقد أصدرت وزارة المالية في نيسان/أبريل 2025 تعميماً يقضي بإيداع قيم أوامر صرف الرواتب والأجور والتعويضات للعاملين في الجهات العامة في حساب “شام كاش” المفتوح لدى مصرف سوريا المركزي.

ومع الوقت، توسع الاعتماد على التطبيق، حتى أصبح جزءاً من آلية التعامل المالي الحكومي، فيما أعلنت إدارة “شام كاش” في آذار/مارس 2026 أن التطبيق يخدم نحو 3.7 ملايين حساب، وأنه يعمل بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي.

إلا أن هذا التوسع يفتح باباً واسعاً للنقاش حول الشفافية والرقابة. فالمشكلة ليست في استخدام الدفع الإلكتروني بحد ذاته، إذ يمكن أن يكون الانتقال إلى المدفوعات الرقمية خطوة طبيعية في أي اقتصاد حديث، وإنما في تحويل أداة إلكترونية واحدة إلى قناة شبه أساسية لتلقي الأموال الحكومية في بلد يعاني أصلاً من ضعف البنية المصرفية ونقص السيولة.

والأهم أن المعلومات المنشورة حول الوضع القانوني والتنظيمي لـ”شام كاش” تشير إلى أن الشركة كانت لا تزال في تموز/يوليو 2026 تتجه نحو استكمال إجراءات الترخيص الرسمي والخضوع لرقابة مصرف سوريا المركزي، وفق تقرير نشره «The Syrian Observer»، الذي أشار إلى أن المنصة واجهت خلال الفترة السابقة تساؤلات حول وضعها القانوني وهيكل رسومها وعلاقتها بالنظام المصرفي الرسمي.

كما أشارت تقارير إعلامية سورية إلى أن الضامن للتطبيق هو “بنك شام”، وأن الشركة كانت مرتبطة تاريخياً بنشاط الصرافة والحوالات في مناطق إدارة حكومة الإنقاذ في إدلب، قبل توسع استخدامها على المستوى السوري. وهذه المعطيات تجعل الحاجة إلى كشف الملكية والهيكل القانوني والجهات الرقابية المشرفة على المنصة أكثر إلحاحاً، خصوصاً بعدما أصبحت أموال الموظفين والفلاحين وغيرهم تمر عبرها.

المشكلة ليست في التطبيق وحده

إن تحميل “شام كاش” مسؤولية أزمة السيولة سيكون تبسيطاً للمشكلة. فالتطبيق لا يستطيع خلق النقد من العدم، وإنما ينقل قيمة مالية موجودة أصلاً ضمن النظام المالي. وإذا كان المصرف الزراعي يقول صراحة إن عدم توفر السيولة لدى مصرف سوريا المركزي هو السبب في عدم صرف كامل مستحقات الفلاحين، فإن استخدام المحفظة الإلكترونية يصبح في هذه الحالة وسيلة لتجاوز نقص النقد الورقي، وليس علاجاً لجذر الأزمة.

لكن الخطورة تكمن في أن يتحول الحل المؤقت إلى سياسة مالية دائمة. فالفلاح الذي ينتظر مستحقاته عن محصوله لا يحتاج فقط إلى رقم يظهر في تطبيق، وإنما يحتاج إلى القدرة على استخدام أمواله وشراء حاجاته ودفع تكاليف الإنتاج والحصول على النقد عندما تكون المعاملات النقدية هي السائدة في الأسواق.

وتزداد المشكلة تعقيداً في المناطق التي لا تزال فيها الخدمات المصرفية محدودة، أو حيث لا تتوفر شبكة واسعة من نقاط السحب والتحويل. كما أن الاعتماد المتزايد على منصة إلكترونية واحدة يجعل أي خلل تقني أو توقف للخدمة مؤثراً في شريحة واسعة من المواطنين.

وقد شهد “شام كاش” بالفعل توقفاً مؤقتاً للخدمة في آذار/مارس 2026، فيما نفت إدارة التطبيق تعرضه للاختراق وأرجعت المشكلة إلى تبليغات استهدفت نطاق التطبيق، مؤكدة سلامة حسابات المستخدمين وقواعد البيانات. وبصرف النظر عن أسباب ذلك التوقف، فإن الواقعة تظهر حساسية الاعتماد على منصة رقمية واحدة عندما تصبح مرتبطة بمستحقات ورواتب وأموال شريحة واسعة من السكان.

استبدال العملة.. السؤال الذي لم يُجب عنه

المشكلة الأساسية التي تواجه الحكومة الانتقالية اليوم هي الفجوة بين سحب العملة القديمة وتوفير البديل الجديد. فقد كان الهدف المعلن من عملية الاستبدال إعادة تنظيم الكتلة النقدية وتحسين الثقة بالعملة، لكن نجاح العملية لا يقاس فقط بعدد الأوراق القديمة التي جرى سحبها، وإنما بقدرة الدولة على ضمان وجود نقد جديد كافٍ في المصارف والأسواق.

وفي أي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التعامل النقدي، فإن سحب العملة القديمة من التداول من دون توفير سيولة جديدة كافية يمكن أن يؤدي إلى اختناقات تؤثر في الموظف والفلاح والتاجر والمستهلك على حد سواء. وقد أظهرت تجربة الأشهر الماضية شكاوى من صعوبة الاستبدال ونقص السيولة وتفاوت القدرة على الوصول إلى الخدمات المصرفية بين المناطق.

ومن هنا، فإن تحويل 25 في المئة من مستحقات الفلاحين إلى “شام كاش” لا ينبغي النظر إليه كحل تقني منفصل، بل باعتباره مؤشراً على أزمة أوسع في إدارة السيولة. فالمؤسسة الحكومية تقول بوضوح إن المصرف المركزي لا يوفر السيولة الكافية، فيما تتجه الحكومة إلى توسيع استخدام الدفع الإلكتروني لتعويض نقص النقد.

المطلوب في هذه المرحلة ليس فقط إصدار تعاميم لتحويل الأموال إلى المحافظ الإلكترونية، وإنما كشف حجم السيولة المتوفرة فعلياً لدى مصرف سوريا المركزي، وحجم العملة الجديدة التي طُرحت في الأسواق، وحجم الأموال التي ما تزال لدى المصارف، وآليات توزيعها بين المحافظات، والأسباب التي أدت إلى عدم توفر النقد الكافي لتسديد مستحقات الفلاحين كاملة.

كما أن التوسع في استخدام “شام كاش” يحتاج إلى شفافية أكبر بشأن الملكية والترخيص والرقابة وحماية البيانات وآليات معالجة الشكاوى، خصوصاً أن المنصة باتت تتعامل مع ملايين الحسابات وتدخل بصورة مباشرة في العلاقة المالية بين المواطن والدولة. أما ترك هذه الأسئلة من دون إجابات واضحة، مع استمرار تحميل المواطنين تبعات نقص السيولة، فيهدد بتحويل أزمة نقدية مؤقتة إلى أزمة ثقة أوسع بالنظام المالي الجديد.

وهكذا، تكشف مستحقات الفلاحين عن مشكلة تتجاوز نسبة الـ25 في المئة التي ستُحوّل إلكترونياً؛ إنها تكشف عن اختبار حقيقي لقدرة الحكومة الانتقالية ومصرف سوريا المركزي على إدارة مرحلة ما بعد العملة القديمة، وتأمين النقد الجديد، ومنع تحول الدفع الإلكتروني من خيار لتحديث الاقتصاد إلى بديل اضطراري عن السيولة التي لا تستطيع الدولة توفيرها.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى