تقرير حقوقي: 75 حالة وفـ ـاة خلف القضبان تفتح ملف الانتـ ـهاكات في مراكز الاحـ ـتجاز

يثير استمرار تسجيل حالات وفـ ـاة داخل مراكز الاحتـ ـجاز في سوريا مخـ ـاوف حقـ ـوقية متزايدة بشأن أوضاع المحـ ـتجـ ـزين، ومدى التزام السلطات المسؤولة عن الاحـ ـتـ ـجاز بضمان سـ ـلامتهم الجسدية والنفسية، واحترام حقوقهم القانونية والإنسانية.

وتبرز في هذا السياق قضية الشاب محمد غميرة من مدينة الحفة بريف اللاذقية، الذي أوقف على خلفية شكوى مالية، قبل أن تتدهور حالته الصحية خلال فترة احتجازه. وبحسب المعلومات المتوفرة، دخل المخفر بحالة صحية مستقرة، ثم نُقل لاحقاً إلى المستشفى في حالة حرجة، إثر إصابته بنزيف دماغي ودخوله في غيبوبة.

ولا تزال ملابسات ما جرى خلال فترة احتجازه بحاجة إلى توضيح، وسط مطالبات بفتح تحقيق شفاف ومستقل يحدد أسباب تدهور حالته الصحية، وما إذا كان قد تعرض لأي شكل من أشكال سوء المعاملة أو حُرم من الرعاية الطبية اللازمة.

75 وفاة موثقة منذ سقوط النظام السابق

وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان وفاة 75 شخصاً داخل سجون ومراكز احتجاز تابعة للحكومة الانتقالية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بينهم 61 حالة وفاة خلال عام 2025 و14 حالة خلال عام 2026.

وتشير هذه الأرقام إلى الحالات التي تمكن المرصد من توثيقها والتحقق منها، فيما تبقى احتمالية وجود حالات أخرى لم يتم الكشف عنها أو لم يتسنَّ توثيقها قائمة، خصوصاً في ظل صعوبة الوصول إلى بعض أماكن الاحتجاز وغياب الشفافية الكافية بشأن أعداد المحتجزين وأماكن وجودهم.

خريطة الوفيات خلال عام 2025

توزعت حالات الوفاة التي وثقها المرصد خلال عام 2025 على مدار الأشهر على النحو الآتي:

  • 8 حالات في كانون الثاني.
  • 13 حالة في شباط.
  • 4 حالات في آذار.
  • 6 حالات في نيسان.
  • حالتان في أيار.
  • 3 حالات في حزيران.
  • 9 حالات في تموز.
  • 10 حالات في آب.
  • 3 حالات في أيلول.
  • 3 حالات في تشرين الأول.

وتكشف هذه الأرقام عن استمرار تسجيل الوفيات داخل أماكن الاحتجاز على مدار أشهر متتالية، بما يفرض ضرورة التعامل معها باعتبارها ملفاً حقوقياً وقانونياً مستمراً، وليس مجموعة من الحوادث المنفصلة.

14 وفاة خلال عام 2026

خلال عام 2026، وثق المرصد 14 حالة وفاة تحت التعذيب داخل مراكز الاحتجاز، توزعت بين حلب وحمص ودير الزور والرقة وريف دمشق والسويداء ودرعا.

ويعيد استمرار هذه الحالات إلى الواجهة المخاوف من إعادة إنتاج أنماط من الانتهاكات التي عانى منها السوريون لعقود داخل منظومة السجون التابعة للنظام السابق، في وقت يفترض فيه أن تشكل المرحلة الانتقالية فرصة لتأسيس منظومة مختلفة تقوم على سيادة القانون وحماية الحقوق الأساسية.

الاحتجاز لا يسقط حق الإنسان في الحياة

تحظر قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التعذيب وسائر أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما تفرض على الجهات المسؤولة عن الاحتجاز واجب حماية المحتجزين وتأمين الرعاية الطبية اللازمة لهم.

وتشمل الضمانات الأساسية حق المحتجز في معرفة أسباب توقيفه، والاستعانة بمحامٍ، والتواصل مع ذويه، والمثول أمام جهة قضائية مختصة، وعدم تعرضه للاحتجاز التعسفي أو السري.

ولا يمكن أن تصبح التهم الموجهة إلى أي شخص، مهما كانت طبيعتها، مبرراً لسلبه حقوقه الأساسية أو تعريض حياته للخطر.

من إرث سجون النظام السابق إلى اختبار المرحلة الانتقالية

لا تزال الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت داخل سجون النظام السابق، بما في ذلك التعذيب والقتل والإخفاء القسري والمعاملة المهينة، حاضرة بقوة في الذاكرة السورية.

ومن هذا المنطلق، فإن سقوط النظام السابق لا ينبغي أن يؤدي إلى استمرار أو إعادة إنتاج الممارسات ذاتها داخل أماكن الاحتجاز، وإنما يفترض أن يشكل نقطة تحول نحو منظومة تقوم على العدالة والمساءلة والرقابة المستقلة.

فاستبدال جهة بأخرى مع استمرار الانتهاكات لا يمثل تغييراً حقيقياً في مفهوم العدالة، بل إعادة إنتاج للمشكلة ذاتها بأطراف مختلفة.

اتهامات سياسية لا تبرر الانتهاكات

رصد المرصد أيضاً حالات أثيرت فيها اتهامات بحق بعض المتوفين بالارتباط بالنظام السابق أو ممارسة أنشطة موالية له، وانعكس ذلك، في بعض المناطق، على طريقة التعامل مع جثامينهم، وصولاً إلى رفض دفن بعضها في المقابر المحلية أو نبش جثامين بعد دفنها.

إلا أن الاتهامات، أياً كانت طبيعتها، لا تسقط عن الإنسان حقه في المعاملة الكريمة، ولا تبرر التمثيل بالجثامين أو حرمان عائلات الضحايا من حقها في دفن أقاربها وفق الأصول الإنسانية والقانونية.

تفاوت في الاهتمام يثير مخاوف العدالة الانتقائية

يرصد المرصد السوري لحقوق الإنسان تنامي شعور لدى قطاعات من السوريين بوجود تفاوت في مستوى التفاعل الرسمي والإعلامي مع قضايا الوفاة والانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز.

ففي حين تتحول بعض القضايا إلى ملفات رأي عام تحظى باهتمام واسع وضغط مجتمعي وإعلامي يفضي إلى تحركات رسمية سريعة، لا تحظى قضايا أخرى بالمستوى ذاته من الاهتمام أو المتابعة.

وتعبر عائلات ضحايا في مناطق مختلفة من سوريا، بما فيها مناطق الساحل السوري، عن مخاوف من أن معاناة أبنائها لا تلقى دائماً القدر نفسه من الاهتمام والتضامن والمساءلة، الأمر الذي يزيد الشعور بالظلم ويضعف الثقة بمؤسسات العدالة.

لا عدالة بانتقائية الضحايا

يؤكد المرصد أن الحق في الحياة والحماية من التعذيب وسوء المعاملة لا يرتبط بدين الضحية أو مذهبه أو قوميته أو انتمائه السياسي.

فالضحية، أياً كانت هويته، يمتلك الحقوق ذاتها، سواء كان سنياً أو علوياً أو كردياً أو مسيحياً أو من أي مكون آخر من مكونات المجتمع السوري.

ومن هنا، فإن العدالة الانتقائية لا يمكن أن تشكل أساساً لدولة القانون، كما أن التعامل مع الانتهاكات بمعايير مزدوجة يهدد بتكريس الانقسام المجتمعي بدلاً من معالجته.

تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين

يدعو المرصد السوري لحقوق الإنسان السلطات السورية إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة وشاملة في جميع حالات الوفاة داخل مراكز الاحتجاز، ولا سيما الحالات التي توجد فيها شبهات تتعلق بالتعذيب أو سوء المعاملة أو الحرمان من الرعاية الطبية.

كما يطالب بالكشف عن نتائج التحقيقات للرأي العام وذوي الضحايا، وتحديد المسؤولين المباشرين وغير المباشرين عن الانتهاكات ومحاسبتهم وفق القانون.

ويشدد كذلك على ضرورة تمكين الجهات الحقوقية والرقابية المستقلة من الوصول إلى أماكن الاحتجاز، والكشف عن أعداد المحتجزين وأماكن وجودهم، وضمان حقهم في التواصل مع ذويهم ومحاميهم، وتأمين الرعاية الطبية اللازمة لهم، ووضع حد للاحتجاز السري وأي ممارسات تقع خارج إطار القانون.

حماية المحتجزين اختبار حقيقي لسوريا الجديدة

إن الكشف عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة داخل أماكن الاحتجاز، سواء خلال عهد النظام السابق أو في المرحلة الحالية، لا يمثل مطلباً حقوقياً فحسب، بل يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة السلطات السورية على بناء منظومة عدالة قائمة على سيادة القانون والمساواة ومنع الإفلات من العقاب.

فبناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يتحقق من خلال استبدال ضحايا بضحايا أو انتهاكات بأخرى، وإنما عبر ترسيخ مبدأ أن كرامة الإنسان وحقه في الحياة والعدالة حقوق غير قابلة للتجزئة.

وتبقى مسؤولية السلطات، أياً كانت طبيعة المرحلة السياسية، واضحة: حماية كل محتجز، التحقيق في كل وفاة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التعذيب أو سوء المعاملة، دون تمييز على أساس الانتماء السياسي أو الديني أو القومي أو المناطقي.

 

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى