على امتداد ضفتي الفرات.. مخـ ـاوف من فيضانات جديدة تهـ ـدد السكان والزراعة وسط غياب التعـ ـويضات

تتصاعد المخـ ـاوف بين الأهالي المقيمين على ضفتي نهر الفرات، على امتداد نحو 200 كيلومتر، من عودة موجة الفيضانات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، في ظل مؤشرات على ارتفاع معدلات تدفق المياه وفتح بوابات إضافية لتصريف المياه من سد الفرات، وسط حالة من الترقـ ـب والحـ ـذر لدى السكان والمزارعين الذين لم يتمكن كثير منهم من تجاوز آثـ ـار الفيضانات السابقة.
وتتركز حالة القـ ـلق في المناطق الممتدة من منطقة الجزرات في ريف دير الزور، مروراً بمعدان في ريف الرقة الشرقي، وصولاً إلى المناطق الحدودية في مدينة البوكمال، وهي منطقة تضم تجمعات سكانية واسعة وأراضي زراعية تعتمد بصورة أساسية على مياه نهر الفرات. ووفق المعلومات المتداولة، يقطن في هذه المنطقة ما بين 250 ألفاً و300 ألف عائلة، ما يجعل أي ارتفاع إضافي في منسوب النهر مصدر تهـ ـديد مباشراً لعدد كبير من السكان وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.
وتأتي المخاوف الحالية في وقت لا تزال فيه آثار موجة الفيضان السابقة ماثلة في العديد من القرى والبلدات الواقعة على ضفتي النهر، بعدما تضررت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبنية التحتية والخدمات الأساسية. وتشير المعطيات إلى أن نحو 50 في المئة من الأراضي الزراعية الواقعة على ضفتي الفرات تعرضت لأضرار متفاوتة خلال موجة الفيضان الماضية، الأمر الذي تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين، ولا سيما أن الأضرار تزامنت مع موسم زراعي يعتمد عليه آلاف السكان لتأمين مصادر دخلهم.
تدفق متزايد للمياه ومخاوف من ارتفاع المنسوب
وتشير المعلومات المتداولة إلى احتمال ارتفاع معدل تدفق المياه في نهر الفرات من نحو 600 متر مكعب في الثانية إلى 725 متراً مكعباً في الثانية، مع توقعات باستمرار ارتفاع منسوب المياه لنحو عشرة أيام، بالتزامن مع احتمالية تسجيل تغيرات إضافية في معدلات التدفق خلال الفترة المقبلة.
وأظهرت مشاهد مصورة مرور المياه عبر البوابة رقم 3 في مفيض سد الفرات بمدينة الطبقة، بالتزامن مع زيادة الوارد المائي وفتح بوابات لتصريف كميات إضافية من المياه. وفي حين تهدف هذه الإجراءات إلى الحفاظ على السلامة التشغيلية للسد وتنظيم مستوى المياه، فإنها أثارت مخاوف السكان المقيمين بمحاذاة مجرى النهر، خصوصاً في المناطق المنخفضة والأراضي الزراعية القريبة من الضفاف.
وتزداد حساسية الوضع بسبب الأضرار التي خلفتها الفيضانات السابقة، والتي أظهرت هشاشة العديد من المناطق السكنية والزراعية أمام ارتفاع منسوب النهر، إضافة إلى ضعف البنية التحتية وغياب إجراءات الحماية الكافية في عدد من المواقع.
أضرار سابقة طالت آلاف الهكتارات
وكانت مناطق عدة في سوريا قد شهدت خلال شهر حزيران فيضانات بعد ارتفاع ملحوظ في منسوب نهر الفرات، وأسفرت، بحسب السلطات المحلية، عن وفاة 15 شخصاً على الأقل، معظمهم من الأطفال، فيما سجلت 22 حالة غرق خلال الفترة نفسها.
وكانت محافظتا دير الزور والرقة الأكثر تضرراً من تلك الفيضانات، مع امتداد الأضرار إلى مناطق سكنية وزراعية ومنشآت خدمية على طول مجرى النهر.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية التي جرى تحليلها حينها، اتساع رقعة المياه على أجزاء من نهر الفرات بين 2 حزيران/يونيو 2025 و2 حزيران/يونيو 2026، مع تأثر مساحات زراعية ومنشآت خدمية وبنى تحتية على ضفاف النهر. كما أظهرت صور أخرى التغيرات التي طرأت على مجرى النهر خلال الفترة الممتدة بين 23 أيار/مايو و2 حزيران/يونيو، ولا سيما في محافظة دير الزور.
ومن بين المناطق التي ظهرت فيها آثار الفيضان بوضوح مدينة الميادين في ريف دير الزور الشرقي، حيث كشفت المقارنة بين الصور اتساع المسطحات المائية المحاذية للنهر، وامتداد المياه إلى مناطق كانت جافة في صور سابقة، إضافة إلى غمر أجزاء من الضفاف والجزر النهرية الصغيرة.
كما ظهرت تغيرات واضحة في محيط محطة الشميطية غربي دير الزور، بالتزامن مع تقارير محلية أفادت بخروج المحطة عن الخدمة نتيجة الفيضانات.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، توقفت محطة الشميطية، إلى جانب 82 محطة أخرى لتصفية وضخ المياه، عن العمل بشكل كامل بسبب الفيضانات، ما هدد مئات الآلاف من السكان بأزمة في مياه الشرب، قبل أن تتم إعادة تشغيل 13 محطة حتى ذلك الوقت.
تغيرات في السدود ومصادر تدفق المياه
ولا ترتبط التغيرات في مستويات مياه الفرات داخل سوريا بالعوامل المحلية وحدها، إذ يتحكم عدد من السدود الرئيسية المقامة على النهر في تركيا بجزء من تدفق المياه باتجاه سوريا والعراق، ومن أبرزها سدا كركايا وأتاتورك.
وأشارت المقارنات بين صور الأقمار الاصطناعية لسد كركايا الملتقطة في 13 و26 أيار/مايو إلى تغير في عدد بوابات تصريف المياه المفتوحة؛ إذ ظهرت بوابتان فقط مفتوحتين في منتصف الشهر، بينما أظهرت الصور اللاحقة أربع بوابات مفتوحة.
وتزامنت الفيضانات السابقة كذلك مع أمطار غزيرة شهدتها مناطق من تركيا وسوريا، بما في ذلك مناطق المنبع في نهر الفرات، إضافة إلى زيادة في تدفق المياه من السدود التركية الواقعة على النهر، الأمر الذي انعكس على مستويات المياه في الأراضي السورية المحاذية للمجرى.
الفيضانات تضاعف الخسائر الزراعية
وكشفت تقديرات برنامج الأغذية العالمي عن اتساع كبير في مساحة المياه المرتبطة بالفيضانات على نهر الفرات، إذ ارتفعت من 60.9 كيلومتراً مربعاً إلى 188.7 كيلومتراً مربعاً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المساحة السابقة.
كما غمرت الفيضانات أكثر من 7,200 هكتار من الأراضي الزراعية في محافظة دير الزور، أي ما يعادل نحو 8 في المئة من إجمالي الأراضي المزروعة في المحافظة.
ولم تقتصر خطورة هذه الأرقام على الخسائر الزراعية المباشرة، إذ جاءت الفيضانات في مناطق يعاني سكانها أصلاً من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، فيما يشكل القطاع الزراعي مصدراً رئيسياً للدخل بالنسبة إلى نسبة كبيرة من السكان.
كما أن توقيت الفيضانات زاد من حجم الخسائر، خصوصاً أنها تزامنت مع موسم حصاد القمح، حيث تضرر آلاف الهكتارات ما أدى إلى خسائر امتدت آثارها إلى ما بعد انتهاء موجة ارتفاع المياه، سواء بالنسبة إلى المزارعين أو الأسواق المحلية والأمن الغذائي للسكان.
الجفاف ساهم في زيادة مخاطر الفيضانات
ولم يرتبط اتساع الأضرار بارتفاع منسوب المياه وحده، إذ لعبت سنوات الجفاف السابقة دوراً في تغيير طبيعة المناطق المحاذية للفرات. فقد أدى الانخفاض الكبير في منسوب النهر خلال سنوات الجفاف إلى انكشاف أجزاء من السهول الفيضية المحاذية له، قبل أن يجري استغلالها في الزراعة والسكن وأنشطة أخرى.
ومع عودة المياه إلى تلك المناطق، غمرت أجزاء كانت قد انحسرت عنها خلال سنوات الجفاف، ما أدى إلى وصول المياه إلى أراضٍ زراعية ومنشآت وبنى تحتية ومناطق مأهولة.
وأظهرت بعض الصور المتداولة حجم التغير الذي طرأ على المشهد الطبيعي حول مجرى النهر، حيث عادت المياه إلى مناطق كانت جافة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي أعاد طرح مسألة البناء والزراعة والاستثمار في المناطق القريبة من مجرى الفرات ومدى ملاءمتها لمواجهة تغيرات مستوى المياه.
غياب التعويضات يزيد معاناة المتضررين
وفي الوقت الذي تزداد فيه المخاوف من موجة فيضانات جديدة، يشكو المزارعون والسكان المتضررون من غياب شبه كامل للمساعدات والتعويضات من الجهات المعنية في الحكومة الانتقالية، رغم الخسائر التي لحقت بالأراضي والمحاصيل والمنشآت والخدمات.
ويزيد غياب التعويضات من صعوبة قدرة المزارعين على استعادة نشاطهم الزراعي، خصوصاً أن العديد منهم تكبدوا خسائر خلال الفيضان السابق، ولم يحصلوا على دعم كافٍ لإصلاح الأراضي أو استعادة المحاصيل المتضررة.
كما لا تزال آثار الفيضانات واضحة في عدد من القرى والبلدات، في وقت تواجه فيه بعض المناطق المتضررة مشكلات في البنية التحتية ومحطات المياه والخدمات الأساسية.
ومع استمرار المؤشرات على ارتفاع تدفق المياه، تبرز مخاوف من أن يؤدي غياب المعالجة المسبقة للأضرار السابقة إلى جعل أي موجة جديدة أكثر تأثيراً، خصوصاً إذا استمرت معدلات التدفق في الارتفاع خلال الأيام المقبلة.
تحذيرات ودعوات إلى إجراءات عاجلة
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات إلى اتخاذ إجراءات استباقية قبل وقوع أي موجة فيضانات جديدة، بدلاً من انتظار وصول المياه إلى المناطق السكنية والزراعية ثم البدء بمعالجة الأضرار.
وتشمل الإجراءات المطلوبة تعزيز السواتر الترابية في المناطق الأكثر عرضة للغمر، ومراقبة مستوى المياه بصورة مستمرة، وتحديد المناطق المهددة، وتأمين وسائل إنذار مبكر للسكان، إلى جانب وضع خطط واضحة للإخلاء في حال ارتفاع المنسوب إلى مستويات تهدد المنازل.
كما تبرز الحاجة إلى توفير الدعم والتعويضات للمزارعين الذين تضررت أراضيهم ومحاصيلهم خلال الفيضانات السابقة، خصوصاً في دير الزور والرقة، والعمل على إعادة تأهيل محطات المياه والبنية التحتية التي خرجت عن الخدمة.
وتحذر المعطيات من أن استمرار ارتفاع منسوب الفرات في ظل ضعف الاستعدادات وغياب التعويضات قد يحول أي موجة جديدة من ارتفاع المياه إلى أزمة إنسانية واقتصادية واسعة، لا سيما أن المنطقة تضم مئات الآلاف من العائلات وتعتمد بدرجة كبيرة على الأراضي الزراعية ومياه النهر.
وبينما بدأت مستويات المياه بالتراجع في بعض المناطق خلال الفترة السابقة، بقيت آثار الفيضان واضحة في الأراضي الزراعية والمنشآت الخدمية، ما يجعل المخاوف الحالية مرتبطة ليس فقط بارتفاع المياه المتوقع، وإنما أيضاً بقدرة المناطق المتضررة على تحمل موجة جديدة بعد أن لم تستكمل بعد معالجة آثار الفيضانات السابقة.
وتبقى ضفاف الفرات، الممتدة لنحو 200 كيلومتر بين ريف دير الزور والرقة والبوكمال، أمام اختبار جديد في ظل التغيرات في معدلات تدفق المياه، وسط مطالبات للسكان والجهات المحلية باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المنازل والأراضي الزراعية، وتفادي تكرار الخسائر البشرية والمادية التي خلفتها موجات الفيضان السابقة.



