من عفرين إلى الرقة.. أضـ ـرار واسعة تطال مواقع أثرية في مناطق خـ ـضـ ـعت لسيـ ـطرة تركيا وفصـ ـائلها

لم تقـ ـتصر تداعيات العمـ ـليات العسـ ـكرية والسيـ ـطرة التركية والفصـ ـائل السورية المـ ـوالـ ـية لها على الأضـ ـرار التي لحقت بالبنية السكانية والعمرانية في المناطق التي خضـ ـعت لنفـ ـوذها، بل امتدت إلى واحد من أكثر المكونات هشـ ـاشة في المنطقة، وهو التراث الأثري السوري. فمنذ سنوات، تعـ ـرضت مواقع أثرية في مناطق عدة، ولا سيما في منطقة عفرين بريف حلب الشمالي، لأشكال متعددة من الأضـ ـرار، تراوحت بين القـ ـصف والتجـ ـريف والتنـ ـقيب العشوائي والنهـ ـب، وصولاً إلى استخدام بعض المواقـ ـع أو التلال الأثرية لأغراض عسـ ـكرية.
وتكتسب هذه الانتهاكات خطورتها من كون الضرر الذي يلحق بالمواقع الأثرية لا يقتصر على فقدان قطعة أو مجموعة من اللقى، وإنما يمتد إلى تدمير السياق الأثري الذي يتيح للباحثين فهم تاريخ الموقع ومراحل تطوره وطبيعة المجتمعات التي عاشت فيه. فالقطعة الأثرية التي تنتزع من طبقتها ومكانها تفقد جزءاً مهماً من قيمتها العلمية، بينما يؤدي تجريف التلال والطبقات الأثرية إلى محو معلومات لا يمكن استعادتها حتى لو جرى العثور على القطع المسروقة لاحقاً.
وبحسب معلومات سبق أن وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان ونشرها خلال السنوات الماضية، شهدت مواقع أثرية في مناطق خضعت للسيطرة التركية والفصائل الموالية لها عمليات حفر وتجريف وتعديات متكررة، تسببت في تغيير معالم المواقع وتدمير أجزاء من طبقاتها الأثرية، فضلاً عن ظهور حفر وممرات وتصدعات وتغييرات واسعة في طبيعة التلال والمشهد المحيط بها.
عين دارا.. موقع أثري بين القصف والتجريف والنهب
يبرز موقع عين دارا الأثري في منطقة عفرين كواحد من أبرز الأمثلة على حجم الأضرار التي تعرض لها التراث الأثري في المنطقة. ويضم الموقع بقايا مدينة تعود إلى العصر الحديدي، إضافة إلى معبد شهير يرجع إلى الألف الأول قبل الميلاد، ما يجعله من أهم المواقع الأثرية في شمال سوريا.
وتعرض الموقع لأضرار خلال القصف الذي رافق العملية العسكرية التركية للسيطرة على منطقة عفرين عام 2018. إلا أن الأضرار لم تتوقف بانتهاء العمليات العسكرية، إذ وثقت تقارير لاحقة أعمال تجريف واسعة باستخدام الآليات الثقيلة، طالت أجزاء من التل الأثري، بالتزامن مع سيطرة فصائل سورية موالية لتركيا على المنطقة.
ولم تقتصر الخسائر على تدمير أجزاء من الموقع، إذ اختفى أيضاً تمثال الأسد البازلتي الشهير الذي كان من أبرز معالم عين دارا، وسط معلومات عن تعرضه للنهب. ويعكس ذلك طبيعة الخطر الذي يواجه المواقع الأثرية، حيث يمكن أن يبدأ الضرر بالقصف أو التجريف، ثم يتبعه التنقيب غير المنظم والبحث عن اللقى وتهريبها.
وتكمن خطورة التجريف باستخدام الآليات الثقيلة في أن الجرافات لا تتعامل مع الموقع باعتباره طبقات تاريخية متعاقبة، وإنما تزيل التربة والكتل الحجرية بصورة عشوائية، ما يؤدي إلى تدمير البنية الأثرية للموقع وإتلاف الأدلة التي يمكن أن تساعد مستقبلاً في إعادة بناء تاريخه.
جرّوس أو النبي هوري.. آثار رومانية وهلنستية في مواجهة الحفر
ولا تقف الاعتداءات عند عين دارا، إذ يعد موقع جرّوس المعروف باسم النبي هوري من أبرز المواقع الأثرية في منطقة عفرين. ويضم الموقع بقايا مدينة شهدت مراحل تاريخية متعددة، بينها الفترات الهلنستية والرومانية والعصور الوسطى المبكرة، إضافة إلى منشآت ومعابد ومسرح أثري.
وسبق أن وثق المرصد السوري عمليات تنقيب وتجريف باستخدام الآليات الثقيلة داخل الموقع، إلى جانب معلومات عن نهب لقى أثرية خلال فترة سيطرة الفصائل السورية الموالية لتركيا على المنطقة.
وتتضاعف أهمية النبي هوري بسبب تعدد طبقاته التاريخية، الأمر الذي يجعل أي حفر عشوائي فيه خسارة تتجاوز القطعة الأثرية التي قد يعثر عليها المنقب. فالطبقات المتراكمة داخل الموقع تشكل سجلاً تاريخياً متكاملاً، وأي خرق أو تجريف لها قد يؤدي إلى فقدان العلاقة بين اللقى والمباني والطبقات التي وجدت فيها.
تل جنديرس.. العسكرة تهدد المواقع الأثرية
إلى جانب التنقيب والتجريف، ظهر عامل آخر يهدد المواقع الأثرية في عفرين، يتمثل في استخدامها لأغراض عسكرية. وبرز تل جنديرس ضمن المواقع التي تعرضت لأضرار مرتبطة بالعسكرة، في ظل استخدام مواقع أثرية أو تلال ذات قيمة تاريخية لأغراض عسكرية بعد السيطرة التركية والفصائل المتحالفة معها على المنطقة.
وتشكل إقامة النقاط والمنشآت العسكرية، وشق الخنادق والحفر، وتغيير طبيعة التلال، مخاطر مباشرة على الطبقات الأثرية الموجودة تحت سطح الأرض. كما يمكن للأعمال الإنشائية والعسكرية أن تؤدي إلى تدمير أجزاء من الموقع أو تغيير بنيته بصورة يصعب إصلاحها.
ولا تقتصر المشكلة هنا على الأضرار المباشرة التي يمكن رؤيتها على سطح الموقع، بل تشمل أيضاً ما يحدث تحت الأرض. فقد تؤدي أعمال الحفر والتحصين إلى اختراق طبقات أثرية لم تكن قد تعرضت سابقاً للتنقيب، وبالتالي فقدان معلومات تاريخية وعلمية لا يمكن تعويضها.
مواقع أقل شهرة.. الضرر لا يقتصر على المعالم المعروفة
وتكشف حالة مواقع مثل عين دارا والنبي هوري وتل جنديرس جانباً من المشكلة، إلا أن الأضرار لا تقتصر على المواقع الأثرية المعروفة أو تلك التي تحظى باهتمام إعلامي.
فقد سبق أن وثق المرصد السوري أضراراً طالت مواقع أقل شهرة وغير منشورة على نطاق واسع، من بينها الموقع المعروف باسم CRN 4715 في منطقة عفرين، حيث تعرض لأعمال تجريف وتعديات أدت إلى تغيير معالمه والإضرار بمكوناته الأثرية.
وتبرز أهمية هذه المواقع الأقل شهرة في أنها قد تحتوي على معلومات لم تدرس بعد بصورة كاملة. وبالتالي، فإن تدميرها قبل توثيقها أو إجراء الدراسات الأثرية اللازمة فيها يعني فقدان فرصة علمية لا يمكن استعادتها.
كما أن عدم شهرة الموقع لا يعني انخفاض قيمته، إذ قد تكون المواقع الصغيرة أو غير المنشورة جزءاً من شبكة استيطان أوسع تساعد الباحثين على فهم الطرق التجارية وأنماط الاستقرار والعلاقات بين المدن والمراكز التاريخية.
من عفرين إلى البليخ.. امتداد الأضرار إلى الرقة
ولا تبدو ظاهرة التعدي على المواقع الأثرية محصورة بمنطقة عفرين، إذ سبق أن وثق المرصد السوري أضراراً طالت مواقع أثرية في مناطق أخرى خضعت لسيطرة فصائل مدعومة من تركيا.
ومن بين هذه المواقع موقع حمام التركمان في منطقة البليخ شمال الرقة، حيث ظهرت أضرار مرتبطة بأعمال التجريف والتعديات.
وتشير هذه الحالة إلى اتساع نطاق المشكلة جغرافياً، وعدم ارتباطها بموقع أثري واحد أو حادثة منفردة. فمن عفرين في شمال غرب سوريا إلى مناطق البليخ شمال الرقة، تظهر أنماط متشابهة من المخاطر التي تواجه المواقع التاريخية، سواء نتيجة التجريف أو التنقيب غير المنظم أو العسكرة أو ضعف الحماية.
ويجعل هذا الامتداد الجغرافي من الضروري التعامل مع القضية باعتبارها ملفاً يتعلق بحماية التراث السوري بصورة عامة، وليس مجرد حوادث منفصلة في مناطق محددة.
التجريف الآلي.. أخطر أشكال التدمير
تعد أعمال التجريف باستخدام الآليات الثقيلة من أخطر أشكال الاعتداء على المواقع الأثرية، لأنها تؤدي في كثير من الحالات إلى تدمير طبقات كاملة خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي عمليات التنقيب الأثري النظامية، يجري التعامل مع التربة والطبقات التاريخية بصورة دقيقة، ويتم تسجيل موقع كل قطعة وعلاقتها بالمباني والطبقات الأخرى. أما التجريف العشوائي فيزيل هذه الطبقات دون توثيق، ويحول الموقع إلى مساحة من الحفر والردميات.
وتكمن المشكلة في أن قيمة الموقع الأثري لا تكمن في الحجارة أو القطع الموجودة فيه فقط، وإنما في العلاقات بينها. فالمكان الذي عثر فيه على قطعة معينة، والطبقة التي كانت فيها، وما يحيط بها من مبانٍ أو أدوات أو بقايا بشرية، كلها عناصر تساعد في تحديد عمرها ووظيفتها وسياقها التاريخي.
وعندما يجري اقتلاع القطعة من مكانها أو تدمير الطبقة التي كانت تحتوي عليها، تضيع هذه المعلومات إلى الأبد.
النهب.. خسارة تتجاوز حدود سوريا
ويمثل نهب اللقى الأثرية مرحلة أخرى من مراحل الاعتداء على التراث. فالقطعة التي تخرج بصورة غير قانونية من موقعها قد تنتقل إلى شبكات الاتجار غير المشروع، وقد يصبح من الصعب لاحقاً تحديد مكانها أو إثبات مصدرها.
كما أن تهريب القطع الأثرية يحول التراث الثقافي إلى سلعة تجارية، ويشجع على استمرار الحفر العشوائي بحثاً عن القطع القابلة للبيع.
وفي حالة المواقع السورية، تزداد خطورة الأمر بسبب سنوات الحرب وتراجع القدرة على حماية عدد كبير من المواقع المنتشرة في مناطق واسعة، الأمر الذي يجعل بعض المواقع عرضة للاستهداف بصورة مستمرة.
مسؤولية حماية التراث
إن استمرار الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية في المناطق التي خضعت للسيطرة التركية والفصائل السورية الموالية لها يطرح مسؤوليات قانونية وأخلاقية تتعلق بحماية الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة وبعدها.
ولا تتوقف حماية التراث على منع القصف أو التخريب المباشر، وإنما تشمل منع التنقيب غير المشروع، وحماية المواقع من النهب، ومراقبة عمليات الاتجار باللقى، ومنع استخدام المواقع الأثرية لأغراض عسكرية يمكن أن تعرضها للخطر.
كما أن توثيق الأضرار يمثل خطوة أساسية في أي عملية مستقبلية لحماية التراث. فمعرفة ما تعرض له كل موقع، وتحديد الأجزاء المدمرة والمفقودة، وتسجيل التغييرات التي طرأت عليه، يمكن أن يساعد في وضع خطط للحماية والترميم وإجراء التحقيقات اللازمة.
ذاكرة سوريا المهددة
من عين دارا إلى جرّوس والنبي هوري، مروراً بتل جنديرس والمواقع الأقل شهرة في عفرين، وصولاً إلى حمام التركمان في منطقة البليخ شمال الرقة، تكشف الحالات التي وثقها المرصد السوري عن صورة أوسع لمخاطر تواجه التراث الأثري السوري في مناطق شهدت سيطرة تركية ووجود فصائل سورية موالية لها.
فالقصف كان أحد أوجه الضرر، لكن الخطر لم ينته بانتهاء العمليات العسكرية. فقد ظهرت لاحقاً أشكال أخرى من الاعتداء، بينها التجريف والتنقيب العشوائي والنهب والعسكرة، ما أدى إلى تغيير معالم مواقع تاريخية تمتد جذورها إلى آلاف السنين.
ولا يمكن التعامل مع هذه المواقع باعتبارها مجرد أبنية أو تلال قديمة، فهي تمثل سجلاً مادياً لتاريخ سوريا وتنوع الحضارات التي تعاقبت عليها. وتدميرها لا يعني خسارة الحجارة واللقى فقط، بل يعني فقدان صفحات من التاريخ السوري يصعب إعادة كتابتها بعد زوال الأدلة التي كانت تحفظها.
وبناءً على ذلك، فإن حماية ما تبقى من المواقع الأثرية تتطلب توثيقاً مستقلاً وشاملاً، وتحديد حجم الأضرار التي لحقت بكل موقع، والتحقيق في عمليات التجريف والتنقيب والنهب، والعمل على تحديد مصير القطع التي اختفت من المواقع، إلى جانب وقف أي تعديات جديدة.
فالتراث الأثري السوري ملك للأجيال، وما يضيع منه اليوم لا يمكن تعويضه غداً. ومن عفرين إلى الرقة، تبدو الحاجة ملحة إلى حماية المواقع المتبقية قبل أن تتحول سنوات الحرب والتجريف والنهب إلى خسارة دائمة لذاكرة سوريا التاريخية.



