أبو الضهور في مرمـ ـى إسرائيل.. ضـ ـربة تحمل رسائل إلى تركيا ودمشق وتفتح باب الصـ ـدام الإقليمي

أعادت الضـ ـربة الإسرائيلية التي استهـ ـدفت قـ ـاعدة أبو الضهور الجوية في ريف إدلب الشرقي، الثلاثاء، رسم مشهد التوتـ ـر في الشمال السوري، بعدما كشفت إسرائيل، بصورة غير مباشرة، عن مسـ ـؤوليتها عن الهجـ ـوم، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن تنـ ـامي الدور التركي في إعادة بناء القـ ـدرات العسـ ـكرية السورية.

وبعد التزام الحكومة والجيش الإسرائيليين الصمت تجاه الاتهامات السورية، أقر مسؤول إسرائيلي في تصريح لشبكة «فوكس نيوز» بأن تل أبيب تبادلت مع واشنطن معلومات استخباراتية حساسة قبل تنفيذ الضربة، مؤكداً أن التنسيق جرى على أعلى المستويات، من دون الكشف عن طبيعة المعلومات أو الهدف المحدد للعملية.

ضربة تتجاوز أهدافها العسكرية

واستهدفت الغارة قاعدة أبو الضهور، التي تتمتع بموقع استراتيجي بين إدلب وحماة وحلب، وألحقت أضراراً بمدرجاتها ومنشآتها. لكن وسائل الإعلام الإسرائيلية ركزت على أن العملية لا ترتبط فقط بمنشأة عسكرية سورية، بل تحمل رسالة مباشرة إلى تركيا، التي أصبحت أحد أبرز الداعمين للحكومة السورية الجديدة.

وترى تقارير إسرائيلية أن أنقرة تشارك في إعادة تأهيل منشآت عسكرية سورية وتدريب الجيش الجديد، بما في ذلك المساعدة في إعادة بناء قدرات سلاح الجو، وهو ما تعتبره إسرائيل تطوراً يستوجب المراقبة والردع.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن قاعدة أبو الضهور استُخدمت منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 مركزاً لتدريب الجيش السوري الجديد، وأن سوريا أجرت خلال شهر آب تدريبات جوية باستخدام طائرات مقاتلة روسية الصنع، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على بدء إعادة بناء قدراتها الجوية.

إسرائيل وتركيا.. صراع نفوذ يتوسع في سوريا

وتأتي الضربة في وقت تشهد فيه الساحة السورية تنافساً متزايداً بين إسرائيل وتركيا حول طبيعة النفوذ العسكري والأمني في البلاد.

وتنظر أنقرة إلى الحكومة السورية الجديدة باعتبارها تابعاً لها، وتقدم لها دعماً عسكرياً ودبلوماسياً، إلى جانب المشاركة في تدريب القوات وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة والبنية التحتية.

في المقابل، تزداد حساسية إسرائيل تجاه أي الوجود العسكري التركي المتزايد في سوريا، خصوصاً المرتبط بتطوير قدرات الجيش السوري أو إعادة بناء سلاح الجو.

ولهذا ربطت وسائل إعلام إسرائيلية بين استهداف أبو الضهور ومحاولات تركيا بناء جيش سوري تابع لها، معتبرة أن العملية تحمل رسالة إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مفادها أن إسرائيل لن تسمح بتعاظم القدرات العسكرية السورية بدعم تركي.

غموض حول الهدف المباشر

ورغم وضوح الأضرار التي خلفتها الضربة، لا يزال الهدف المباشر للعملية غير محسوم بشكل كامل.

وأشارت إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى احتمالات متعددة، بينها استهداف منشأة أو معدات موجودة على الأرض، أو شحنة وصلت إلى المطار، أو محاولة منع وصول طائرة أو شحنة إليه.

ويعكس هذا الغموض طبيعة العملية الإسرائيلية، التي تبدو مرتبطة بتقديرات استخباراتية أكثر من كونها رداً على هجوم مباشر.

ويكتسب الأمر أهمية أكبر في ظل حديث إسرائيلي عن رصد تحركات سورية لإعادة بناء سلاح الجو، بما في ذلك تجنيد طيارين وإجراء تدريبات جوية واستخدام مقاتلات، مع تأكيد مصادر إسرائيلية أن واشنطن أُطلعت على المخاوف المرتبطة بهذه التطورات.

واشنطن بين إسرائيل وتركيا

اللافت أن الضربة جاءت وسط موقف أميركي غير معتاد، بعدما انتقد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير لدى تركيا توماس برّاك الهجوم.

لكن الكشف الإسرائيلي عن مشاركة معلومات استخباراتية مع واشنطن قبل العملية يشير إلى وجود مستوى من التنسيق الأميركي الإسرائيلي، حتى مع بروز خلافات بشأن توقيت الضربة وتداعياتها.

وقال برّاك إن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية لتفادي الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا، في محاولة لمنع تحوّل التنافس المتزايد إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وأوضح أن تركيا لم تتلق إخطاراً مسبقاً بالضربة، وأنها رصدت الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالاً نحو أراضيها، ما كان يمكن أن يدفعها، وفق تعبيره، إلى اتخاذ رد عسكري.

وأكد برّاك أن «العقول الهادئة» تمكنت من منع الوضع من التدهور، في إشارة إلى حساسية اللحظة وخطورة احتمال توسع المواجهة.

أنقرة تندد

تركيا سارعت إلى إدانة الضربة، إذ وصف عمر جليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، الغارات الإسرائيلية بأنها دليل جديد على أن السياسات الإسرائيلية تمثل، بحسب ادعاءه، «العدو الأكبر للسلام والطمأنينة لشعوب المنطقة».

وتعكس التصريحات التركية حجم القلق في أنقرة من تحول النشاط الإسرائيلي في سوريا إلى عامل مباشر يهدد مصالحها ودورها المتنامي في البلاد.

فالضربة لم تستهدف منطقة بعيدة عن مجال الاهتمام التركي، بل قاعدة تقع في شمال سوريا وقريبة نسبياً من الحدود التركية، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى ترسيخ شراكتها مع دمشق وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية السورية.

إسرائيل ترسخ وجودها جنوباً وتراقب الشمال

يتزامن التصعيد في أبو الضهور مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024.

وتنتشر القوات الإسرائيلية في مواقع عدة داخل المنطقة العازلة ومحيطها، وتمتد تحركاتها، وفق المعطيات الواردة، إلى نحو 15 كيلومتراً داخل الأراضي السورية في بعض المناطق.

وتبرر إسرائيل وجودها العسكري بالعمل على منع وصول الأسلحة التي تعتبرها تهديداً محتملاً إلى أطراف معادية.

لكن التحرك الأخير في أبو الضهور يوسع نطاق المخاوف، إذ يشير إلى أن الاهتمام الإسرائيلي لم يعد مقتصراً على الجنوب السوري أو على منع نقل الأسلحة، بل بات يشمل أيضاً إعادة بناء الجيش السوري وقدراته الجوية، والدور الذي تؤديه تركيا في هذه العملية.

إلى أين يتجه المشهد؟

وتكشف ضربة أبو الضهور عن تعقيد متزايد في المشهد السوري، حيث تتقاطع مصالح دمشق وأنقرة وتل أبيب وواشنطن فوق مساحة جغرافية واحدة.

فدمشق تسعى إلى بناء جيش ومؤسسات دولة جديدة، وتركيا تريد دعم الحكومة السورية وتعزيز نفوذها، بينما تحاول إسرائيل منع أي تطور عسكري سوري تعتبره تهديداً لها، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى منع تحول التنافس بين حلفائها وشركائها إلى صدام مفتوح.

ومن هنا، تبدو ضربة أبو الضهور أبعد من مجرد عملية عسكرية محدودة؛ فهي تحمل رسالة إلى دمشق بشأن حدود إعادة بناء قدراتها العسكرية، وإلى أنقرة بشأن حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه في سوريا، وإلى واشنطن بشأن الحاجة إلى ضبط قواعد الاشتباك بين الأطراف الثلاثة.

ومع بدء الحديث الأميركي عن آلية لمنع الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا، فإن السؤال الأبرز لم يعد فقط حول الجهة التي ستتعرض للضربة التالية، بل حول قدرة واشنطن على احتواء التنافس المتصاعد قبل أن يتحول من رسائل عسكرية متبادلة إلى مواجهة إقليمية أوسع.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى