من غميرة إلى لؤي ظروف.. 77 وفـ ـاة في مراكـ ـز احتـ ـجاز الحكومة الانتقالية تفتح ملف التعـ ـذيب والمحـ ـاسبة

لم يعد ملف الوفـ ـيـ ـات داخل مراكز الاحتـ ـجاز التابـ ـعة للحكومة الانتقالية في سوريا مجرد حـ ـالات فردية متفرقة، بل تحول إلى قضـ ـية حقوقية متصاعدة تثـ ـير أسئلة جدية حول ظـ ـروف الاحتـ ـجـ ـاز، والرعاية الطبية، واستخدام العـ ـنـ ـف أثناء التحقـ ـيق، ومدى قدرة المؤسسات الرسمية على ضمان سلامة المـ ـوقـ ـوفين ومحـ ـاسبة المسـ ـؤولين عن الانتـ ـهـ ـاكات.
وبحسب توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، ارتفعت حصيلة الوفيات المرتبطة بالتعذيب أو ظروف الاحتجاز وسوء المعاملة داخل مراكز احتجاز الحكومة الانتقالية إلى 77 حالة وفاة منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، بينها 61 حالة خلال عام 2025 و16 حالة خلال عام 2026. وتأتي وفاة لؤي محمد ظروف، التي وثقها المرصد أخيراً، كأحدث الحالات التي رفعت الحصيلة إلى هذا الرقم.
لؤي محمد ظروف.. وفاة داخل سجن النبك وأسئلة حول الجثمان
وينحدر لؤي محمد ظروف من قرية رأس العين بريف جبلة في محافظة اللاذقية، وكان قد اعتُقل، وفق المعلومات التي أوردها المرصد السوري، على يد الأمن العام قرب مكان إقامته في ضواحي دمشق أواخر أيار الماضي، قبل أن تنقطع أخباره عن عائلته طوال فترة احتجازه.

وتسلّمت عائلته جثمانه في 22 آب، بعد إبلاغها بوفاته داخل سجن النبك.
وبحسب رواية أبلغت بها العائلة، قيل إن الوفاة ناجمة عن جلطة قلبية، إلا أن ظهور كدمات وآثار على الجثمان أثار شكوكاً لدى ذويه حول ظروف الوفاة. كما أفادت المعلومات بأن الدفن تم بصورة سريعة، ولم يُسمح للعائلة بتصوير مراسم التشييع والدفن، الأمر الذي زاد من الغموض المحيط بالقضية.
محمد غميرة.. حالة أخرى أعادت الملف إلى الواجهة
وقبل أيام فقط من وفاة لؤي ظروف، أثارت وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة في اللاذقية موجة واسعة من الجدل حول ظروف الاحتجاز.
وكان غميرة قد أوقف في قسم شرطة الحفة في 6 آب، على خلفية ادعاء يتعلق بسرقة مبلغ مالي، وفق ما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان وروايات أفراد من عائلته. واحتُجز لمدة ثلاثة أيام قبل الإفراج عنه، ثم نُقل إلى المستشفى عقب تدهور حالته الصحية، قبل أن يتوفى في 16 آب بعد دخوله العناية المشددة.
وكان غميرة يعاني من مرض الناعور، وهو اضطراب يؤثر في تخثر الدم، وقالت عائلته إن حالته كانت مستقرة قبل توقيفه وإنها أبلغت عناصر الشرطة بوضعه الصحي. ووفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لم تتمكن العائلة من زيارته أو التواصل معه خلال فترة احتجازه، بينما نُقل إلى المستشفى بعد الإفراج عنه وهو في حالة صحية متدهورة.
لماذا لا تكفي الرواية الرسمية وحدها؟
وأعلنت الحكومة الانتقالية تشكيل لجنة للتحقيق في وفاة غميرة، ثم أعلنت لاحقاً أن التحقيق انتهى إلى مسؤولية أحد المحققين عن صفعه وإحالته إلى النيابة العامة، مع توسيع التحقيق المسلكي مع مسؤولين آخرين.
ولكن إعداد هذا الملف وفق منظور حقوقي مستقل لا يمكن أن يقوم على الرواية الحكومية وحدها، خصوصاً في قضية تتعلق بوفاة شخص عقب احتجازه لدى أجهزة الدولة.
والشبكة السورية لحقوق الإنسان شددت على أن المعطيات المتاحة لا تحسم وحدها سبب الوفاة أو المسؤوليات الفردية، لعدم اطلاعها على تقرير الطب الشرعي أو سجلات الاحتجاز والرعاية الطبية، وطالبت بتحقيق يستوفي المعايير الدولية.
كما طالب المركز السوري للإعلام وحرية التعبير بتحقيق مستقل ونزيه وفعال، مؤكداً أن استقلال جهة التحقيق عن الأشخاص أو المؤسسات المشتبه بمسؤوليتها عن الانتهاك عنصر أساسي في مصداقية أي محاسبة.
وبالتالي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان أحد عناصر الأمن قد ارتكب مخالفة، وإنما أيضاً بما إذا كانت هناك مسؤوليات أوسع تتعلق بظروف التوقيف، والإبلاغ عن الحالة الصحية، والرعاية الطبية، والإشراف على المحققين، وآليات منع التعذيب وسوء المعاملة.
77 وفاة.. أرقام تتجاوز الحالات الفردية
وتكتسب وفاة لؤي ظروف أهمية إضافية لأنها تأتي ضمن سلسلة أوسع وثقها المرصد السوري.
وبحسب أحدث أرقام المرصد، بلغ عدد الوفيات المرتبطة بظروف الاحتجاز والتعذيب أو سوء المعاملة 77 حالة منذ سقوط النظام السابق، منها 61 حالة خلال 2025 و16 حالة خلال 2026. وكانت حصيلة المرصد قبل وفاة لؤي ظروف قد بلغت 76 حالة، بعد وفاة محمد غميرة.
وفي عام 2026 وحده، توزعت الحالات التي وثقها المرصد قبل إضافة لؤي ظروف بين حلب وحمص وريف دمشق ودير الزور والرقة ودرعا والسويداء واللاذقية، بما يشير إلى أن المشكلة ليست محصورة في مركز احتجاز واحد أو محافظة واحدة.
وتعني هذه الأرقام، بصرف النظر عن اختلاف توصيف كل حالة وسبب الوفاة، وجود حاجة ملحة إلى آلية مستقلة للتحقيق في الوفيات داخل أماكن الاحتجاز، بدلاً من التعامل مع كل حادثة باعتبارها ملفاً منفصلاً.
سجن النبك ومشكلة غياب المعلومات
وفي حالة لؤي ظروف، يبرز سجن النبك بوصفه جزءاً من المشكلة الأوسع المتعلقة بصعوبة وصول عائلات المحتجزين إلى المعلومات.
وبحسب المرصد، سبق أن تحدثت عائلات معتقلين في السجن عن عدم تمكنها من زيارة أبنائها أو معرفة أوضاعهم الصحية والقانونية، وسط غياب الشفافية حول ظروف الاحتجاز ومصير بعض المحتجزين.
وتشكل هذه الفجوة المعلوماتية خطراً بحد ذاتها؛ فكلما انقطع التواصل بين المعتقل وعائلته، أصبح اكتشاف سوء المعاملة أو التدهور الصحي أكثر صعوبة، وأصبح وصول الأسرة إلى الحقيقة بعد الوفاة أكثر تعقيداً.
العدالة لا تتجزأ
وتطرح هذه الحالات اختباراً حقيقياً لمفهوم العدالة الانتقالية في سوريا. فالمحاسبة لا يمكن أن تقتصر على الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، ثم تتجاهل الانتهاكات التي تقع داخل مؤسسات السلطة الحالية.
والعدالة، لكي تكون مقنعة للضحايا والمجتمع، يفترض أن تنطلق من مبدأ واحد: الانتهاك يبقى انتهاكاً، والضحية تبقى ضحية، بصرف النظر عن هويتها أو موقفها السياسي أو انتمائها الاجتماعي والطائفي أو الجهة التي ارتكب بحقها الانتهاك.
وهذا ما يؤكده المرصد السوري، الذي يطالب بالتعامل مع جميع ضحايا التعذيب والانتهاكات على قدم المساواة، وبأن تكون العدالة والحقيقة والمحاسبة بعيدة عن الاعتبارات السياسية أو الطائفية أو العرقية.
ما المطلوب الآن؟
وفي حالة لؤي ظروف، تتطلب الحقيقة فتح تحقيق مستقل في سبب الوفاة، وإجراء فحص طب شرعي موثوق، والكشف عن سجلات احتجازه وملفه الطبي، وتحديد من كان مسؤولاً عن رعايته ومتابعة حالته الصحية.
أما في قضية محمد غميرة، فإن التحقيق لا ينبغي أن يتوقف عند تحديد الشخص الذي مارس العنف، بل يجب أن يشمل ظروف احتجازه، ومدى معرفة المحققين بمرضه، والرعاية الطبية التي حصل عليها، وأسباب عدم منع تدهور حالته، إضافة إلى أي مسؤولية إدارية أو تسلسل قيادي يثبتها التحقيق.
وعلى المستوى الأوسع، تحتاج الحكومة الانتقالية إلى ضمان وصول العائلات إلى أبنائها، وتمكين المحتجزين من التواصل مع محامين وذويهم، وتوفير الرعاية الطبية، والسماح بآليات رقابة مستقلة على أماكن الاحتجاز.
فوجود 77 وفاة موثقة منذ سقوط النظام السابق لا يمكن التعامل معه كرقم عابر، خصوصاً عندما تتكرر الشكاوى حول التعذيب أو سوء المعاملة أو غياب المعلومات.
وفي النهاية، فإن اختبار العدالة الانتقالية السورية لن يكون فقط في قدرتها على محاسبة جرائم الماضي، بل أيضاً في قدرتها على منع تكرارها في الحاضر.
من محمد غميرة إلى لؤي محمد ظروف، تتكرر الأسئلة نفسها: ماذا حدث داخل أماكن الاحتجاز؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل تستطيع السلطات الانتقالية تقديم إجابات مستقلة وشفافة لعائلات الضحايا؟
لأن العدالة، كما يؤكد المرصد السوري، لا ينبغي أن تميز بين الضحايا.



