براميل أكثر.. وقود أغلى: أين تذهب عائدات النفط السوري؟

تثير القفزة المعلنة في إنتاج النفط السوري تساؤلات متزايدة حول مصـ ـير العائدات النفطية ومدى انعكاسها على حياة المواطنين، في وقت لا تزال فيه أزمـ ـات الوقود وارتفاع أسعار المشتقات والسلع الأساسية تضـ ـغط على السوريين.

وبحسب التصريحات الصادرة عن وزارة الطاقة والشركة السورية للبترول، ارتفع إنتاج النفط إلى نحو 130 ألف برميل يومياً، بزيادة تقارب 100 ألف برميل يومياً مقارنة بالمستويات التي كان الإنتاج يدور حولها خلال السنوات الماضية. ويبدو هذا التطور، من الناحية النظرية، مؤشراً على تحسن كبير في قدرة قطاع الطاقة على توفير مورد اقتصادي مهم للخزينة.

لكن المفارقة تكمن في أن هذا التحسن في الإنتاج لم ينعكس حتى الآن بصورة واضحة على أسعار الوقود أو تكاليف المعيشة، بل تزامن مع زيادات في أسعار المشتقات النفطية، الأمر الذي أعاد ملف إدارة الثروة النفطية إلى واجهة النقاش العام.

100 ألف برميل إضافية.. ماذا تعني؟

وإذا صحت أرقام الزيادة المعلنة، فإن إضافة نحو 100 ألف برميل يومياً إلى الإنتاج تمثل كمية كبيرة اقتصادياً.

وعند احتسابها على أساس سعر عالمي يبلغ نحو 110 دولارات للبرميل، فإن القيمة الإجمالية النظرية لهذه الزيادة تصل إلى نحو 11 مليون دولار يومياً، أي ما يزيد على 330 مليون دولار شهرياً إذا استمر مستوى الإنتاج والأسعار على حالهما.

ارتفاع الإنتاج مقابل استمرار أزمة الوقود

المفارقة الأكثر إثارة للجدل تتمثل في تزامن الحديث عن ارتفاع الإنتاج مع استمرار شكاوى المواطنين من أسعار المحروقات وتكاليف النقل والخدمات.

فالنفط لا يمثل مجرد سلعة تصديرية بالنسبة لسوريا، بل يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم القطاعات الاقتصادية، من النقل والزراعة إلى الصناعة وتوليد الطاقة.

وبالتالي، فإن أي زيادة حقيقية ومستدامة في الإنتاج يفترض أن تمنح الحكومة مساحة أكبر لإدارة سوق الوقود، سواء من خلال زيادة الكميات المخصصة للسوق المحلية أو خفض فاتورة الاستيراد أو توجيه جزء من العائدات لدعم القطاعات الأكثر استهلاكاً للطاقة.

لكن غياب هذا الأثر الواضح يجعل المواطنين أمام معادلة تبدو متناقضة: إنتاج نفطي أعلى، لكن وقود أغلى وتكاليف معيشة متزايدة.

هل تكفي زيادة الإنتاج لحل الأزمة؟

وحتى في حال صحة أرقام الإنتاج، فإن ارتفاع الإنتاج وحده لا يعني تلقائياً انخفاض الأسعار.

فالسعر المحلي للمشتقات النفطية يتأثر بعوامل متعددة، بينها تكلفة استخراج النفط، وطاقة المصافي، وكلفة النقل، وسعر الصرف، وحجم الاستهلاك المحلي، وكمية النفط القابلة للتكرير، إضافة إلى الاتفاقات المتعلقة بتسويق الخام واستيراد المشتقات.

كما أن إنتاج الخام لا يعني بالضرورة توفر البنزين والمازوت والغاز بكميات مماثلة في الأسواق، لأن ذلك يتطلب قدرة كافية على التكرير والمعالجة والتوزيع.

لكن هذه التفسيرات لا تلغي الحاجة إلى تقديم بيانات واضحة للرأي العام حول الكميات المنتجة فعلياً، وما يتم تكريره محلياً، وما يتم تصديره أو مبادلته، وحجم الإيرادات الناتجة عنه.

أين تذهب الزيادة؟

هنا تظهر الحلقة الأكثر غموضاً في المشهد. فإذا كانت الزيادة المعلنة في الإنتاج تعني فعلياً إضافة نحو 100 ألف برميل يومياً، فإن الرأي العام يحتاج إلى معرفة مسار هذه الكميات والعوائد الناتجة عنها.

هل يجري استخدام النفط لتغطية احتياجات السوق المحلية؟

هل يتم توجيه جزء منه إلى تسديد التزامات أو عقود سابقة؟

هل تدخل كميات منه في عمليات مقايضة للحصول على مشتقات نفطية أو سلع أخرى؟

وهل تستفيد الخزينة مباشرة من عائداته، أم أن جزءاً كبيراً من الإيرادات يذهب إلى تغطية تكاليف الإنتاج والنقل والتشغيل؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتقديرات وحدها، وإنما تحتاج إلى نشر بيانات رسمية تفصيلية حول الإنتاج والتوزيع والإيرادات.

المواطن هو الحلقة الأضعف

في النهاية، لا ينظر المواطن السوري إلى أرقام الإنتاج باعتبارها مؤشرات اقتصادية مجردة، بل يقيس نتائجها من خلال سعر ليتر البنزين والمازوت، وكلفة النقل، وأسعار المواد الغذائية، وفواتير الخدمات.

ولهذا فإن الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع المعيشي هي التي صنعت ما يمكن وصفه بـ”لغز الزيادة المفقودة”.

فإذا كان إنتاج النفط قد تضاعف تقريباً، بينما بقيت أسعار الوقود والسلع في مسار تصاعدي، فإن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم الإنتاج، بل بكيفية إدارة هذه الثروة وتوزيع عائداتها وتحويلها إلى منفعة اقتصادية مباشرة للسكان.

الشفافية قبل الوعود

الحل لا يكمن فقط في الإعلان عن ارتفاع الإنتاج، بل في الكشف عن كامل دورة النفط، من لحظة استخراجه حتى وصول عائداته إلى الخزينة أو استخدامه في السوق المحلية.

ويحتاج السوريون إلى بيانات دورية توضح حجم الإنتاج، والكميات المخصصة للاستهلاك المحلي، وحجم الصادرات أو المقايضات، وتكاليف الاستخراج والتكرير والنقل، والإيرادات الصافية التي تدخل إلى خزينة الدولة.

فمن دون هذه البيانات، ستبقى الزيادة المعلنة في الإنتاج رقماً كبيراً لا يعرف المواطن أين يذهب أثره، بينما تستمر أسعار الوقود والسلع في الضغط على دخله.

وبين 130 ألف برميل معلنة يومياً، وأسعار وقود لا تتراجع، يبقى السؤال الأهم: أين تذهب عائدات النفط السوري، ومتى يتحول ارتفاع الإنتاج من رقم في البيانات الرسمية إلى تحسن ملموس في حياة السوريين؟

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى