تقرير: وثائق قضائية تكشف قضية هدر للمال العام في مصفاة حمص بأكثر من 254 مليار ليرة

تكشف وثائق قضائية تفاصيل قضية تتعلق بشبهات هدر للمال العام في مصفاة حمص، على خلفية مخالفات مرتبطة بكميات النفط الخام الداخلة إلى المصفاة، والمشتقات النفطية، وآليات احتسابها وترحيلها، إضافة إلى إعداد تقارير التوازن المادي والمصادقة عليها دون تدقيق أصولي، وسط معلومات عن تدخل أمني محتمل بهدف التأثير على مسار القضية.
وبحسب الوثائق التي كشف عنها المرصد السوري لحقوق الإنسان، بدأت القضية بادعاء من النيابة العامة المالية في حمص بحق 10 أشخاص بجرم هدر المال العام، استناداً إلى المادة 9 من قانون العقوبات الاقتصادية، على خلفية مخالفات تتعلق بعدم إجراء الحسابات النفطية بصورة أصولية، وعدم ضبط كميات المشتقات النفطية المدورة وتحديد أرصدتها بشكل واضح، فضلاً عن المصادقة على بيانات وتقارير التوازن المادي دون التحقق من دقتها، وعدم ضبط كميات النفط الخام الداخلة إلى المصفاة بالشكل المطلوب.
أكثر من 254 مليار ليرة أثر مالي
ووفق القرار القضائي، خلصت لجنة فنية شُكّلت وفق الأصول إلى وجود نقص وأثر مالي على المال العام، بلغت قيمته 254 ملياراً و101 مليوناً و583 ألفاً و913 ليرة سورية، وذلك نتيجة ما خلصت إليه التحقيقات والخبرة الفنية من وجود تقصير وإهمال في ضبط الكميات النفطية وإعداد الحسابات وتقارير التوازن المادي.
وخلال مرحلة التحقيق، قرر قاضي التحقيق المالي في حمص تعديل الوصف الجرمي من هدر المال العام إلى الهدر غير المقصود وإلحاق الضرر بالأموال العامة، وفق أحكام قانون العقوبات الاقتصادية.
إلا أن القرار استُؤنف من النيابة العامة والجهات التي تمثل الشركة السورية للبترول ومصفاة حمص، لتصدر دائرة الإحالة الأولى في حمص قرارها بتاريخ 9 آذار/مارس 2026، وتقضي بفسخ قرار قاضي التحقيق وإعادة تعديل الوصف الجرمي إلى إهدار المال العام، وفق المادة 9/أ من قانون العقوبات الاقتصادية.
واعتبرت دائرة الإحالة أن المعطيات والقرائن المتوافرة في الملف كافية للاتهام في هذه المرحلة، مستندة بصورة أساسية إلى نتائج الخبرة الفنية التي حددت قيمة النقص المالي، وما ورد في التحقيقات بشأن مسؤولية المعنيين عن عدم ضبط كميات النفط الخام الداخلة إلى المصفاة وعدم إعداد تقارير التوازن المادي بصورة صحيحة.
إحالة 10 أشخاص إلى محكمة الجنايات
وبناءً على ذلك، قررت دائرة الإحالة اتهام الأشخاص العشرة بجناية إهدار المال العام، وإحالتهم إلى محكمة الجنايات المالية والاقتصادية في حمص، مع إصدار مذكرات قبض ونقل بحق من يلزم.
وتشير الأوراق القضائية إلى أن أربعة من المدعى عليهم كانوا موقوفين على ذمة القضية عند صدور قرار الإحالة.
وتوضح الوثائق أن قيمة النقص المالي جرى تحديدها استناداً إلى الخبرة الفنية، فيما لم يُحسم بصورة نهائية مصير الكميات التي شكلت أساس احتساب هذا النقص، إذ تبقى مسألة تحديد المسؤوليات النهائية وتقييم الأدلة والفصل في الاتهامات من اختصاص المحكمة المختصة.
معلومات عن تدخل أمني في القضية
وبالتوازي مع ما ورد في الوثائق القضائية، حصل المرصد السوري لحقوق الإنسان على معلومات من مصادره تتحدث عن تدخل أحد القادة الأمنيين في محافظة حمص بهدف التأثير على مسار القضية، والسعي إلى تبرئة عدد من الموقوفين وإنهاء الملف قبل استكمال مساره أمام محكمة الجنايات المالية والاقتصادية.
ويؤكد المرصد أن المعلومات المتعلقة بالتدخل الأمني تستند إلى مصادره، ولم يتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة حتى الآن، الأمر الذي يستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً للوقوف على حقيقة أي تدخل محتمل أو ضغوط مورست على الجهات القضائية أو أطراف القضية.
وتضع هذه المعطيات الجهات القضائية المختصة ووزارة العدل أمام مسؤولية التحقيق في أي محاولة للتأثير على مسار الملف أو التدخل في الإجراءات القضائية، ولا سيما أن القضية تتعلق بأثر مالي كبير وفق ما حددته الخبرة الفنية.
مطالب بكشف مصير الأموال والكميات النفطية
وطالب المرصد السوري لحقوق الإنسان بكشف كامل ملابسات الأثر المالي الذي حددته الخبرة الفنية بأكثر من 254 مليار ليرة سورية، وتوضيح مصير الكميات النفطية التي شكلت أساس القضية، وتحديد المسؤوليات القانونية والإدارية المرتبطة بها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء.
كما شدد على ضرورة حماية الملف من أي تدخل أمني أو سياسي، وضمان استقلال القضاء وشفافية الإجراءات، مع التأكيد في الوقت نفسه على حق جميع المدعى عليهم في محاكمة عادلة، وعدم اعتبار الإحالة القضائية أو الاتهام حكماً نهائياً بالإدانة.



