العلويون في سوريا الجديدة.. بين إر..ث الأسد ومخـ ـاوف التهـ ـمـ ـيش ومعـ ـركة تثبيت الحقوق

لا يبدو أن العلويين في سوريا الجديدة يريدون البقاء في موقع الدفـ ـاع عن أنفسهم في مواجـ ـهة إر..ث نظـ ـام بشار الأسد، بل تتجه بعض الفعاليات العلوية بصورة متزايدة إلى المطالبة بدور سياسي وقانوني يضمن حضورهم في المرحلة الانتقالية، وسط مخـ ـاوف من أن تتحول العلاقة التاريخية بين الطـ ـائفة والنـ ـظام السابق إلى عـ ـبء جماعي يدفـ ـع ثمـ ـنه مجتمع بأكمله.

ويعكس هذا الاتجاه بيان المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، الصادر في 7 تشرين الأول، والذي حـ ـذّر من جـ ـر مناطق الساحل إلى صـ ـراعات جديدة، بالتوازي مع التشـ ـديد على الأمـ ـن والكرامة والحقوق السياسية والقانونية لسكان المناطق ذات الغالبية العلوية، وعلى ضرورة أن يكون لهم دور في تحديد مستقبل مناطقهم.

ولا يتضمن هذا الطرح، وفق مضمون البيان، دعوة إلى الانفصال أو إقامة كيان مستقل، كما لا يعلن مواجهة مباشرة مع دمشق. لكن وضع مسألة الحقوق والتمثيل السياسي في صلب الخطاب يشير إلى محاولة للانتقال من المطالب الأمنية المباشرة إلى المطالبة بموقع داخل صياغة الدولة المقبلة.

إرث النظام.. مسؤولية سياسية لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام جماعي

وتكمن حساسية القضية العلوية في أن الطائفة تدخل المرحلة الانتقالية محمّلة بإرث سياسي ثقيل. فقد كان حافظ الأسد ثم نجله بشار من أبناء الطائفة، كما شغل علويون مواقع مؤثرة في الجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة خلال عقود الحكم السابق.

لكن اختزال العلويين في هذا الإرث يتجاهل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي داخل الطائفة نفسها. وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن العلويين كانوا ممثلين بصورة أكبر من نسبتهم السكانية في مؤسسات الجيش والأمن والسياسة خلال حكم الأسد، إلا أن قطاعات واسعة من سكان المناطق الريفية ظلت تعاني التهميش الاقتصادي. كما أسهم الارتباط بين الطائفة والنظام في تكوين تصورات لدى قطاعات من المجتمع السوري عن مسؤولية جماعية للعلويين عن ممارسات النظام.

وهنا تبرز واحدة من أكثر القضايا حساسية في المرحلة الانتقالية: كيف تتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة خلال حكم الأسد، من دون تحويل الانتماء الطائفي إلى معيار للمساءلة؟

فالعدالة الانتقالية، إذا قامت على المسؤولية الفردية وتحديد المتورطين وفق الأدلة والقانون، يمكن أن تكون مدخلاً لاستعادة الثقة. أما إذا امتدت المسؤولية إلى جماعات اجتماعية بأكملها، فإنها قد تتحول إلى عامل جديد لإنتاج المظلومية والانقسام.

أحداث الساحل.. الجرح الذي لم يلتئم

وازدادت المخاوف العلوية بعد أحداث الساحل في آذار 2025، عندما شهدت مناطق ساحلية موجة واسعة من العنف والقتل استهدفت مدنيين علويين، إلى جانب انتهاكات نسبت إلى أطراف متعددة، بينها عناصر مرتبطة بالقوات التابعة للسلطة الانتقالية.

وتشير تقارير حقوقية وأممية إلى وجود أسس معقولة للاعتقاد بأن أطرافاً شاركت في تلك الأحداث ارتكبت انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، فيما لا تزال المساءلة عن الانتهاكات الأخيرة موضع انتقاد. وفي أيلول 2026، شددت لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا على ضرورة إخضاع جميع مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للمساءلة، محذرة من أن العدالة الانتقائية يمكن أن تعيد إنتاج المظالم وتقوض المصالحة.

ولا تتوقف المخاوف عند أحداث الساحل. فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 100 شخص من أبناء الطائفة العلوية في جرائم ذات طابع طائفي خلال الأشهر الأولى من عام 2026، بينهم عشرات في حمص وحماة واللاذقية، مع انتقادات لغياب إعلان واضح عن توقيف المتورطين في تلك الجرائم.

كما وثقت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء استمرار عمليات قتل وخطف استهدفت علويين في مناطق مختلفة، خصوصاً في حمص، مشيرة إلى أن بعض الهجمات ارتبطت بأعمال انتقامية ضد أشخاص يُنظر إليهم على أنهم من أنصار النظام السابق، بينما طالت هجمات أخرى مدنيين لا توجد معلومات عن ارتباطهم السابق بالنظام.

وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يوضح كيف يمكن أن تتحول الحدود بين المحاسبة والانتقام إلى منطقة خطرة، خصوصاً عندما يصبح الانتماء الطائفي نفسه مؤشراً على الاشتباه أو الاستهداف.

مكونات أخرى.. أوراق تفاوض مختلفة

وفي المقابل، دخلت مكونات سورية أخرى المرحلة الانتقالية بأوراق تفاوض مختلفة. فالكورد يمتلكون بنية سياسية وإدارية وعسكرية تشكلت على مدى سنوات الحرب، وكان وجود قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في شمال شرقي البلاد عاملاً أساسياً في مفاوضاتهم مع دمشق. وفي كانون الثاني 2026، أقرت دمشق رسمياً بأن الكورد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، مع ضمانات تتعلق بالهوية الثقافية واللغوية، قبل أن يتطور المسار نحو ترتيبات لدمج المؤسسات والقوات الكوردية ضمن مؤسسات الدولة.

لكن ذلك لا يعني أن الملف الكوردي حُسم بالكامل. فما زالت قضايا مثل شكل الإدارة المحلية، والتعليم باللغة الكوردية ومستوى اللامركزية موضع نقاش. ومع ذلك، أظهر المسار الكوردي أن امتلاك قوة سياسية ومؤسساتية وعسكرية منظمة يمكن أن يمنح المكون قدرة أكبر على التفاوض مع المركز.

أما الدروز، فدخلوا المرحلة الانتقالية من زاوية مختلفة، خصوصاً بعد أحداث السويداء والتدخلات الإقليمية التي رافقت الأزمة. وأصبحت مسألة أمن المحافظة وعلاقتها بدمشق مرتبطة أيضاً بعوامل خارجية، الأمر الذي منح القوى المحلية أوراقاً تفاوضية لا تتوفر بالدرجة نفسها لمكونات أخرى.

وتكشف هذه الاختلافات أن المكونات السورية لا تدخل المرحلة الانتقالية من موقع واحد؛ فهناك من يملك قوة عسكرية، ومن يمتلك مؤسسات محلية، ومن يستند إلى دعم خارجي، ومن يدخل المفاوضات وهو يعاني من ضعف أمني وسياسي.

ماذا يملك العلويون؟

هنا تبدو معضلة العلويين أكثر تعقيداً. فالطائفة لا تمتلك، في الوقت الراهن، قوة عسكرية موحدة يمكن مقارنتها بقوة قسد، ولا يبدو أنها تتمتع بغطاء إقليمي معلن يمكن تحويله إلى ورقة تفاوضية مباشرة. كما أن أي محاولة لإقامة مشروع سياسي يقوم حصراً على أساس طائفي قد تعزز الصورة التي يسعى كثير من العلويين إلى التخلص منها، أي اعتبارهم امتداداً للنظام السابق.

ومن ثم، فإن بناء قوة سياسية مدنية قائمة على الحقوق والمواطنة قد يكون أكثر قابلية للاستمرار من تحويل المطالب إلى مشروع طائفي مغلق.

المطلوب، وفق هذا المسار، ليس امتيازات خاصة للعلويين، بل ضمانات تمنع تحويلهم إلى جماعة تتحمل مسؤولية جماعية عن نظام الأسد، وتضمن في الوقت نفسه محاسبة كل من ارتكب جرائم أو انتهاكات، بصرف النظر عن انتمائه.

وهذه المعادلة هي جوهر المأزق: لا يمكن بناء عدالة حقيقية من دون محاسبة، ولا يمكن بناء مصالحة حقيقية إذا تحولت المحاسبة إلى انتقام جماعي.

دمشق أمام اختبار الدولة

وفي المقابل، لا تقع المسؤولية على الفعاليات العلوية وحدها. فالسلطة الانتقالية تواجه اختباراً يتعلق بقدرتها على بناء دولة تتعامل مع المواطنين على أساس القانون لا الانتماء الطائفي أو الإثني.

وتشير تقديرات دولية إلى أن المرحلة الانتقالية السورية ما زالت تواجه تحديات تتعلق بالتوترات بين المكونات، وإصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية، وإعادة دمج القوى المسلحة، إضافة إلى استمرار تهديد تنظيم داعش والتدخلات الخارجية. ويرى مجلس الأمن أن الانتقال السياسي الشامل والمملوك للسوريين يجب أن يترافق مع إصلاحات أمنية ومساءلة شفافة ومصالحة اجتماعية.

كما أن التركيبة السياسية الجديدة نفسها ما زالت تعكس تفاوتاً في تمثيل المكونات. فقد ضم البرلمان الانتقالي ممثلين عن العلويين والكورد والمسيحيين والإسماعيليين والتركمان، لكن طبيعة تشكيل المجلس وآلية اختيار جزء من أعضائه أثارت نقاشاً حول مدى تمثيله للمجتمع السوري بمختلف مكوناته.

ومن هنا فإن قضية العلويين تتجاوز حدود الساحل. فهي تختبر قدرة الدولة الجديدة على الانتقال من منطق الغلبة السياسية والعسكرية إلى منطق المواطنة.

من الخوف إلى المشاركة

الرسالة الأبرز التي يمكن قراءتها في تحرك الفعاليات العلوية خلال المرحلة الراهنة هي أن جزءاً من الطائفة لا يريد أن يبقى محصوراً في موقع الدفاع عن النفس أو تبرئة الجماعة من جرائم النظام السابق.

المطالبة بالأمن والكرامة والحقوق السياسية والقانونية تعني، في جوهرها، السعي إلى تثبيت مبدأ أن العلويين مواطنون في الدولة الجديدة، وأن مسؤولية الفرد عن جريمة لا تنتقل إلى جماعته، كما أن الضحية لا تفقد حقها في العدالة بسبب انتمائها.

وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار يتطلب من الفعاليات العلوية نفسها الابتعاد عن أي خطاب يبرر جرائم النظام السابق أو يعيد إنتاج الاستقطاب الطائفي، والتركيز على الحقوق المدنية والسياسية والمساءلة الفردية وحماية السلم الأهلي.

فالسؤال الحقيقي الذي تواجهه سوريا الجديدة ليس أي مكون سيتمكن من انتزاع الحصة الأكبر من السلطة، وإنما ما إذا كانت الدولة ستمنح الحقوق على أساس المواطنة، أم ستتحول إلى ساحة تتنافس فيها المكونات بحسب قدرتها العسكرية أو نفوذها الإقليمي.

وإذا تمكنت دمشق من الفصل بوضوح بين محاسبة المتورطين في جرائم النظام وبين الانتماء الطائفي، ووفرت تمثيلاً سياسياً حقيقياً وآليات عدالة ومساءلة قابلة للثقة، فقد يتحول ملف العلويين من مصدر جديد للتوتر إلى اختبار فعلي لنجاح الانتقال.

أما إذا بقيت المخاوف الأمنية والسياسية بلا معالجة، فإن إرث الأسد قد يستمر في إنتاج آثاره بعد سقوط النظام، ليس فقط عبر الصراعات على السلطة، بل عبر تعميق الشكوك بين مكونات المجتمع السوري.

وفي هذه الحالة، فإن الخطر لا يكمن في مطالبة العلويين بحقوقهم، ولا في مطالب أي مكون آخر، وإنما في أن تصبح الحقوق نفسها رهينة ميزان القوة والطائفة والمنطقة والدعم الخارجي. عندها ستكون سوريا قد انتقلت من نظام مركزي استند طويلاً إلى أدوات القمع والولاء، إلى نظام جديد تحكمه توازنات المكونات، بدلاً من أن تنتقل فعلياً إلى دولة المواطنة والقانون.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى