نقل تمثال صلاح الدين من أمام قلعة دمشق.. صيانة معلنة وأسئلة مفتوحة حول الذاكرة التاريخية

أثار نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من موقعه أمام قلعة دمشق إلى ساحة بانوراما حرب تشرين، موجة من الجدل في أوساط السوريين، وسط تساؤلات حول مستقبل أحد المعالم المعروفة في العاصمة، ومدى التزام الحكومة الانتقالية بحماية الرموز التاريخية وصون الذاكرة الثقافية للمدينة، في وقت تتزايد فيه المطالب بالشفافية في القرارات المتعلقة بالتراث العام.
وقالت محافظة دمشق إن نقل التمثال جاء تمهيداً لإخضاعه لأعمال الصيانة والترميم ومعالجة الأضرار التي لحقت به، ضمن مشروع إعادة تأهيل محيط قلعة دمشق، استناداً إلى تقرير فني صادر عن دائرة آثار دمشق. وأوضحت أن العمل جارٍ لدراسة وتجهيز موقع مناسب لإعادة عرضه بعد انتهاء الصيانة، بما يحافظ على قيمته الفنية ومكانته الرمزية، من دون تحديد موعد واضح لإعادته أو الكشف عن الموقع النهائي المقترح.
ورغم التبرير الرسمي، أثار القرار استياء عدد من السوريين الذين اعتبروا أن التمثال لم يكن مجرد عنصر جمالي في محيط القلعة، بل معلماً ارتبط بذاكرة العاصمة لعقود، واكتسب دلالته من وجوده في موقع تاريخي بارز. ورأى معترضون أن نقله يثير تساؤلات تتجاوز أعمال الترميم، خصوصاً في ظل غياب تفاصيل كافية بشأن المدة التي سيبقى خلالها بعيداً عن موقعه الأصلي، والضمانات التي تكفل الحفاظ على حضوره في الفضاء العام.
وقال سكان إن التمثال كان يذكّر الأجيال المتعاقبة بشخصية صلاح الدين الأيوبي، التي تحظى بمكانة تاريخية واسعة، فيما أشار آخرون إلى أنه شكّل محطة معروفة للزوار والسياح لالتقاط الصور التذكارية. واعتبروا أن العلاقة بين النصب ومحيط القلعة جزء من قيمته الثقافية والسياحية، وأن نقله إلى موقع آخر قد يغيّر الطريقة التي ارتبط بها السوريون بهذا المعلم على مدى سنوات طويلة.
ويضع الجدل محافظة دمشق والجهات المعنية أمام مسؤولية تقديم توضيحات أكثر تفصيلاً بشأن القرار، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن أعمال الصيانة والترميم. فالمواطنون بحاجة إلى معرفة الجدول الزمني للأعمال، وطبيعة الأضرار التي استدعت نقل التمثال، والمعايير المعتمدة لاختيار موقعه الجديد، وما إذا كانت إعادته إلى مكانه أمام القلعة لا تزال خياراً مطروحاً.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظل مرحلة إعادة تأهيل المدن السورية، حيث يفترض أن تترافق مشاريع التطوير العمراني مع سياسات واضحة لحماية المعالم التاريخية، لا أن تقتصر على معالجة الجوانب الفنية والهندسية. فالحفاظ على التراث لا يعني صيانة التماثيل والمباني فحسب، بل يشمل أيضاً احترام السياق المكاني الذي اكتسبت فيه قيمتها، ومراعاة ارتباطها بالذاكرة الجمعية للسكان.
كما أن غياب المعلومات التفصيلية يترك المجال أمام تفسيرات متعددة بشأن القرار، بما فيها مخاوف عبّر عنها بعض المواطنين من احتمال تهميش رموز تاريخية بسبب دلالاتها الثقافية أو القومية خصوصاً أن صلاح الدين الأيوبي هو من القومية الكوردية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إشراك المختصين في الآثار والفنون والتراث في القرارات التي تمس المعالم العامة، وإعلان نتائج التقييم الفني للرأي العام، بما يعزز الثقة ويحول دون تحول أعمال الصيانة إلى مصدر للجدل. كما أن التشاور مع المهتمين بتاريخ دمشق وسكانها من شأنه أن يساعد في تحديد الخيارات التي تحقق متطلبات الترميم وتحافظ، في الوقت نفسه، على القيمة التاريخية والمكانية للنصب.
ويحظى صلاح الدين الأيوبي بمكانة بارزة لدى قطاعات واسعة من المسلمين والعرب، كما يمثل جزءاً من الإرث التاريخي الذي يعتز به كثير من الكورد. وقد ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ المنطقة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على رمزيته جزءاً من صون الإرث المشترك، بعيداً عن اختزال التاريخ في انتماءات قومية ضيقة أو تحويل المعالم التاريخية إلى موضوع للتجاذبات.
ويعود تصميم التمثال إلى النحات السوري الراحل عبد الله السيد عام 1993، ويجسد صلاح الدين الأيوبي ممتطياً جواده، في مشهد يستحضر انتصاره في معركة حطين وفتح القدس. وعلى مدى عقود، شكّل النصب جزءاً من المشهد البصري المحيط بقلعة دمشق، وارتبط بصورة العاصمة في ذاكرة السكان والزوار.
وبين التبرير الرسمي ومخاوف الشارع، يبقى التحدي أمام الحكومة والجهات المحلية المعنية هو إثبات أن صيانة المعالم التاريخية لا تأتي على حساب مكانتها العامة أو علاقتها بالمواقع التي ارتبطت بها. ويتطلب ذلك إعلاناً واضحاً بشأن مصير التمثال وموقعه النهائي والجدول الزمني لإعادة عرضه، لأن حماية التراث لا تتحقق بإصلاح مادته الفنية وحدها، بل تتطلب أيضاً احترام الذاكرة العامة، والشفافية في القرارات، وضمان بقاء الرموز التاريخية جزءاً حياً من المشهد الثقافي السوري.



