قضية التعليم باللغة الكوردية تتصدر اهتمامات الشارع الكوردي

تحول ملف تعليم اللغة الكوردية في سوريا إلى قضية حاضرة بقوة في أوساط الشارع الكوردي، ولا سيما على خلفية الأحداث الأخيرة في مدينة الحسكة، وما رافقها من نقاشات ومواقف بشأن واقع التعليم باللغة الكوردية ومستقبلها في المناطق ذات الأغلبية الكوردية.
وتعكس هذه القضية أهمية اللغة في تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمعات، كما تبرز ارتباط المطالب التعليمية بمسألة الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي في سوريا، وضرورة إيجاد صيغة تضمن الحقوق اللغوية لجميع المكونات، بعيداً عن سياسات الإقصاء أو فرض لغة على حساب أخرى.
أبرز المطالب والمواقف
تؤكد المطالب المتداولة في الأوساط الكوردية أن الدعوة إلى التعليم باللغة الكوردية لا تعني رفض اللغة العربية أو التقليل من أهميتها، بل تنطلق من مبدأ احترام التعدد اللغوي والثقافي، وتعزيز التعايش المشترك بين مختلف المكونات السورية.
وفي هذا السياق، يشدد أصحاب هذه المطالب على أن الكورد ليسوا ضد تعلم اللغة العربية، باعتبارها لغة أساسية في سوريا ووسيلة للتواصل بين مختلف مكوناتها، وإنما يطالبون بحقهم في التعلم بلغتهم الأم، أسوة بالمكونات الأخرى، وبما يضمن الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية واللغوية.
ويرى المطالبون أن اللغة الكوردية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل تمثل ركناً أساسياً من أركان الهوية الثقافية الكوردية، وأن ضمان حضورها في المؤسسات التعليمية يشكل خطوة ضرورية نحو ترسيخ المساواة والاعتراف بالتنوع في المجتمع السوري.
إشكالية الحصص الدراسية المحدودة
تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في عدد الحصص المخصصة لتدريس اللغة الكوردية ضمن المناهج التعليمية، إذ يرى كثيرون أن الاكتفاء بثلاث حصص دراسية أسبوعياً لا يلبي احتياجات الطلاب، ولا يوفر الأساس التعليمي الكافي لاكتساب اللغة وإتقانها بصورة منهجية.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن تدريس اللغة الأم ينبغي ألا يقتصر على عدد محدود من الحصص، بل يجب أن يستند إلى رؤية تعليمية متكاملة تشمل المناهج، وتأهيل المعلمين، وتطوير المواد الدراسية، ووضع آليات واضحة لتقييم مستوى الطلاب.
كما تبرز في هذا السياق مطالب باعتماد اللغة الكوردية لغةً رسمية للتدريس في المناطق ذات الأغلبية الكوردية، بما يتيح للطلاب الدراسة بلغتهم الأم، مع ضمان تعلم اللغة العربية وإتقانها، إلى جانب الاهتمام باللغات الأخرى وفقاً للاحتياجات التعليمية.
ويؤكد هذا الطرح أن تعزيز اللغة الكوردية في التعليم لا يستلزم إضعاف اللغة العربية، بل يمكن أن يشكل جزءاً من نموذج تعليمي متعدد اللغات، يوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية وتوفير فرص متكافئة للطلاب.
انعكاسات القضية على الشارع الكوردي
أدى تصاعد النقاش حول التعليم باللغة الكوردية، بالتزامن مع الأحداث الأخيرة في الحسكة، إلى توسيع دائرة الاهتمام بالقضية، بحيث لم تعد محصورة في الأوساط الإعلامية أو الثقافية، بل أصبحت موضوعاً للنقاش بين شرائح مختلفة من المجتمع الكوردي.
وتشير هذه التطورات إلى أن القضية ترتبط، في نظر قطاعات من الشارع الكوردي، بما هو أبعد من تنظيم المناهج الدراسية؛ فهي تتصل بمكانة اللغة الكوردية في الحياة العامة، وبمدى الاعتراف بالحقوق الثقافية والتعليمية، وبالضمانات التي تكفل استمرارية اللغة وانتقالها إلى الأجيال الجديدة.
وفي المقابل، تبرز أهمية إدارة هذا الملف من خلال الحوار والتفاهم، وتجنب تحويل المطالب اللغوية إلى مصدر للتوتر بين المكونات السورية. فالتعليم باللغة الأم، متى جرى تنظيمه ضمن إطار يحترم الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، يمكن أن يسهم في تعزيز الثقة المتبادلة وترسيخ الاستقرار الاجتماعي.
البعد الوطني ومبدأ التعايش المشترك
إن معالجة قضية اللغة الكوردية تتطلب مقاربة وطنية شاملة تنطلق من الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي واللغوي في سوريا، وتتعامل مع هذا التنوع باعتباره جزءاً من واقع المجتمع السوري، لا عائقاً أمام وحدته.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بتوسيع نطاق التعليم باللغة الكوردية لا ينبغي أن تُفسَّر على أنها موقف معادٍ للغة العربية، بل بوصفها مطالبة بحق لغوي وثقافي ينبغي مناقشته ضمن إطار المساواة بين المواطنين.
كما أن بناء علاقة متوازنة بين اللغات المستخدمة في العملية التعليمية يستلزم وضع سياسات واضحة تضمن تعلم اللغة العربية، وتتيح في الوقت نفسه للكورد التعلم بلغتهم الأم، مع مراعاة الاحتياجات المحلية والمعايير التعليمية المعتمدة.
ويتطلب ذلك أيضاً إشراك المعلمين والأهالي والجهات التعليمية وممثلي مختلف المكونات في مناقشة الحلول المناسبة، بما يضمن جودة التعليم ويحمي حق الأطفال في اكتساب المعرفة بلغتهم الأم، من دون المساس بحقهم في تعلم اللغات الأخرى.
تكشف النقاشات المرتبطة بالتعليم باللغة الكوردية في الحسكة عن أهمية هذا الملف بالنسبة إلى قطاعات من المجتمع الكوردي، وعن الحاجة إلى التعامل معه بوصفه قضية ثقافية وتعليمية ووطنية تتطلب حلولاً مستدامة.
فحق الكورد في التعلم بلغتهم الأم لا يتعارض مع تعلم اللغة العربية، كما أن الحفاظ على اللغة الكوردية لا ينتقص من أهمية التنوع اللغوي والثقافي الذي يميز المجتمع السوري. بل إن الاعتراف المتبادل بالحقوق اللغوية يمكن أن يشكل أساساً لتعزيز التعايش المشترك وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية.
وبناءً على ذلك، تبرز ضرورة إعادة النظر في واقع تدريس اللغة الكوردية، وعدم الاكتفاء بعدد محدود من الحصص الدراسية إذا كان ذلك لا يحقق الأهداف التعليمية المطلوبة، والعمل على تطوير نموذج تعليمي يضمن حضور اللغة الكوردية بصورة فاعلة، ولا سيما في المناطق ذات الأغلبية الكوردية.



