الاعتـ ـداء على صور الشهداء في الحسكة.. إسـ ـاءة للذاكرة الجماعية واختبار لمسؤولية حكومة دمشق

أثـ ـارت الاعتـ ـداءات التي طالت صور الشهداء والشهيدات والرموز والأعلام الكوردية في مدينة الحسكة موجـ ـة استـ ـنـ ـكار واسعة، بعدما تحولت ممـ ـارسات استهـ ـدفت رموزاً مرتبطة بضـ ـحـ ـايا الحـ ـرب ضـ ـد تـ ـنـ ـظـ ـيم د11عـ ـش إلى مشـ ـهد يثـ ـير مخـ ـاوف جدية من توظيف الذاكرة والرموز الوطنية في تأجـ ـيج التوتـ ـرات المجتمعية وتهـ ـديد السلم الأهلي.

وتعرض مكتب حزب الاتحاد الديمقراطي في حي غويران بمدينة الحسكة، قبل يومين، لهجوم، أعقبه قيام أشخاص بإخراج صور شهيدات استشهدن خلال مشاركتهن في الدفاع عن أهالي المنطقة في مواجهة هجمات تنظيم داعش. ولم يتوقف الأمر عند إزالة الصور، إذ طالت الاعتداءات أيضاً رموزاً وأعلاماً كوردية، فيما أظهرت مقاطع مصورة ممارسات مهينة تجاه هذه الرموز، من بينها وضعها في أيدي أطفال والدعس عليها في الشوارع والقيام بتصرفات مسيئة وغير أخلاقية.

وتتجاوز خطورة هذه الممارسات مسألة الخلاف السياسي أو الحزبي، لأنها تطال صور أشخاص فقدوا حياتهم خلال سنوات الحرب، وبينهم شهيدات ارتبطت أسماؤهن بالدفاع عن سكان المنطقة في مواجهة تنظيم داعش. ومن هنا، فإن التعامل مع صور الشهداء باعتبارها مجرد رموز سياسية يمكن استهدافها في لحظات التوتر يهدد بتحويل الذاكرة الجماعية إلى ساحة جديدة للصراع، بدلاً من أن تكون مساحة للاعتراف بتضحيات الضحايا واحترام ذويهم.

الاعتداء على صور الشهيدات.. استهداف للذاكرة قبل أن يكون خلافاً سياسياً

وتكتسب صور الشهيدات في الحسكة دلالة خاصة بالنسبة إلى شريحة واسعة من السكان، باعتبارها جزءاً من ذاكرة مرحلة دامية واجه خلالها تنظيم داعش مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا. وبغض النظر عن المواقف السياسية من القوى الكوردية، فإن الخلاف السياسي لا يمكن أن يبرر إهانة صور أشخاص قضوا في الحرب أو تحويل رموزهم إلى مادة للاستفزاز.

كما أن احترام الشهداء لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بانتمائهم السياسي أو القومي أو الحزبي. فالحد الأدنى من القيم الإنسانية والوطنية يقتضي الفصل بين الموقف من جهة سياسية وبين التعامل مع ضحايا الحرب وذكراهم، ولا سيما أن الاعتداء على صور الضحايا يمكن أن يتحول بسهولة إلى رسالة تستهدف مجتمعاً بأكمله، وتدفعه إلى الشعور بالإهانة والاستهداف الجماعي.

وتزداد خطورة الأمر عندما تطال الاعتداءات رموزاً مرتبطة بالهوية الكوردية، بما في ذلك الأعلام واللافتات المكتوبة باللغة الكوردية، لأن مثل هذه الممارسات تُفهم باعتبارها استهدافاً لهوية مكوّن سوري، وليس مجرد اعتراض على جهة سياسية بعينها.

تكرار الاعتداءات يثير أسئلة حول دور الأجهزة الأمنية

الحادثة الأخيرة لم تكن معزولة، إذ سبقتها، خلال يومي الجمعة في الأسبوعين الماضيين، اعتداءات مشابهة طالت أعلاماً ورموزاً كوردية ولافتات مكتوبة باللغة الكوردية، إضافة إلى صور الشهيدات.

وتزداد حساسية هذه الوقائع لأنها حدثت أمام أنظار قوات الأمن العام المنتشرة في حي غويران، من دون أن تؤدي الإجراءات الأمنية إلى وقف هذه الممارسات أو منع تكرارها. كما أن قيام المشاركين بتصوير ونشر مقاطع توثق الاعتداءات يطرح سؤالاً مباشراً حول قدرة الأجهزة الأمنية على فرض القانون ومنع التحريض والاستفزاز في المنطقة.

فالمسؤولية الأمنية لا تقتصر على التدخل بعد وقوع أعمال العنف، وإنما تشمل أيضاً منع الاعتداءات عندما تتوافر مؤشرات واضحة على احتمال تكرارها. وإذا كانت الأجهزة الأمنية موجودة في المكان، فإن استمرار الاعتداءات أمامها أو بالقرب منها يحتاج إلى تفسير واضح، وإلى تحديد ما إذا كانت هناك أوامر بعدم التدخل، أم قصور في الاستجابة، أم غياب لإجراءات المحاسبة.

مسؤولية حكومة دمشق

في هذا السياق، تتحمل حكومة دمشق مسؤولية سياسية وقانونية في التعامل مع هذه الحوادث، ليس فقط باعتبارها الجهة التي يفترض أن تضمن الأمن في المناطق الخاضعة لانتشار قواتها، وإنما أيضاً باعتبار أن حماية السلم الأهلي تتطلب موقفاً واضحاً من أي اعتداء على رموز أو مكونات المجتمع السوري.

ويفترض أن تبدأ المسؤولية من فتح تحقيق جدي وشفاف في الوقائع، وتحديد الأشخاص الذين شاركوا في الاعتداءات أو حرّضوا عليها أو وثقوها ونشروها، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق كل من تثبت مسؤوليته، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية.

كما أن التحقيق ينبغي ألا يقتصر على منفذي الاعتداءات المباشرة، بل يجب أن يشمل أيضاً ملابسات تكرارها، ومدى قيام العناصر الأمنية الموجودة في المنطقة بواجباتها في منعها، وأسباب عدم وضع حد لها رغم تكرارها وتصويرها ونشرها.

منع الفتنة الكوردية–العربية مسؤولية مشتركة

الأخطر في هذه الحوادث هو احتمال انتقالها من أعمال استفزازية محدودة إلى حالة توتر أوسع بين المكونات العربية والكوردية في الحسكة ومناطق شمال وشرق سوريا. فالمجتمع المحلي لا يحتاج إلى مزيد من الأحداث التي تستحضر الهوية القومية في مواجهة بعضها بعضاً، بعد سنوات طويلة من الحرب والنزوح والانقسام.

ومن هنا، فإن الرد الشعبي المسؤول يجب ألا يكون عبر الاستفزاز المقابل أو الانتقام أو الاعتداء على رموز الطرف الآخر، لأن مثل هذه الردود لن تؤدي إلا إلى توسيع دائرة التوتر. المطلوب هو رفض الاعتداءات بوضوح، والمطالبة بالمحاسبة عبر القانون، وعدم السماح لمن يسعى إلى تحويل الخلافات السياسية إلى صراع مجتمعي بأن يحقق هدفه.

كما تتحمل القوى السياسية والاجتماعية، العربية والكوردية على حد سواء، مسؤولية مضاعفة في تهدئة الشارع ومنع خطاب الكراهية، والتأكيد على أن الاختلاف السياسي لا يعني العداء بين المكونات، وأن احترام الرموز والضحايا وكرامة الناس يجب أن يكون قاعدة مشتركة لا تخضع للانتماء القومي أو السياسي.

المحاسبة معيار حقيقي لحماية الحقوق

إن اختبار حكومة دمشق في هذه القضية لا يتعلق فقط بإدانة الاعتداءات إعلامياً، بل بقدرتها على تحويل الإدانة إلى إجراءات فعلية. فبيان الاستنكار، مهما كان واضحاً، لن يكون كافياً إذا تكررت الاعتداءات من دون محاسبة.

وتشكل محاسبة المسؤولين عن هذه الحوادث والمحرضين عليها خصوصاًُ على مواقع التواصل الاجتماعي كونها تأتي من شخصيات معروفة جيداً بالنسبة للحكومة، معياراً مهماً لمدى جدية السلطات في حماية الحقوق والحريات، واحترام التعددية القومية والثقافية، وصون كرامة المواطنين، ومنع استخدام الرموز والهويات وقضايا الشهداء في إشعال التوترات.

إن الاعتداء على صور الشهيدات ليس مجرد إتلاف لصور أو أعلام، بل يمس ذاكرة جماعية وكرامة ذوي الضحايا ومشاعر شريحة واسعة من المجتمع. ولذلك فإن حماية هذه الذاكرة لا تعني حماية حزب أو جهة سياسية بعينها، وإنما تعني حماية مبدأ أوسع: ألا تتحول دماء الضحايا وذكرياتهم إلى أدوات للإهانة والتحريض.

وعليه، فإن منع تكرار هذه الاعتداءات يتطلب موقفاً رسمياً واضحاً، وتحقيقاً شفافاً، ومحاسبة للمسؤولين، إلى جانب موقف شعبي واعٍ يرفض الاستفزاز والتصعيد. أما ترك مثل هذه الممارسات تتكرر من دون رادع، فإنه يفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان، ويمنح دعاة الفتنة فرصة لضرب العلاقات بين المكونات السورية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تثبيت السلم الأهلي واحترام التنوع والاحتكام إلى القانون بدلاً من ترك الشارع رهينة للاستفزازات.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى