اعتـ ـداءات تل أبيض تضع سلـ ـطة دمشق المؤقتة أمام اختبار حمـ ـاية المدنيين ومنـ ـع ازدواجية الأمـ ـن

تضع الاعتـ ـداءات التي تعـ ـرّض لها مهـ ـجّرون كورد أثناء محـ ـاولتهم العودة إلى منازلهم في مدينة تل أبيض/كري سبي، سلـ ـطة دمشق المؤقتة أمام مسـ ـؤولية مباشرة تتـ ـجاوز إصدار بيانات الإدانـ ـة، إلى ضـ ـرورة حمـ ـاية المدنيين ومحـ ـاسبة المعـ ـتديـ ـن وضمان حق المهـ ـجّرين في العودة إلى ممتلكاتهم بأمان وكرامة كما فعل رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع الذي كان أول عمل قام به هو استعادة منزله.

ووصلت عشرات السيارات التي تقل مهجّرين كورد إلى مبنى مديرية منطقة تل أبيض/كري سبي بناء على المسؤولين فيها، لمتابعة إجراءات العودة واستعادة المنازل والأراضي، إلا أن العائدين تعرّضوا لاعتداءات أمام أنظار الأمن العام التابع للسلطة المؤقتة، شملت تحطيم وإحراق سيارات وإطلاق النار والتهديد، فيما حوصر أكثر من 100 عائلة، بينهم نساء وأطفال، داخل مبنى الإدارة التي يفترض لها أن تتولى فرض الأمن في المدينة. وأفادت مصادر بأن العائدين توجّهوا إلى المنطقة بناءً على دعوة من الإدارة المحلية، ما يجعل مسؤولية تأمين حمايتهم أكثر وضوحاً.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، جرى تكسير وإحراق نحو 20 سيارة تعود لمهجّرين كورد، بالتزامن مع الاعتداء عليهم ومحاصرتهم، وسط غياب شبه تام للتدخل الأمني لاحتواء التوتر ووقف الاعتداءات رغم أن مقاطع الفيديو أظهرت تواجد عناصر الأمن العام بأسلحتهم بين المعتدين.

وهنا تبرز المسألة الأهم: أين كانت أجهزة الأمن المكلفة بحماية المدنيين عندما بدأت الاعتداءات؟ فوجود عناصر أمنية في مكان تجمع العائدين، ثم استمرار تكسير السيارات وإحراقها ومحاصرة المدنيين، يطرح أسئلة جدية حول مدى فعالية الاستجابة الأمنية، وحول قدرة السلطة المؤقتة على فرض القانون على المجموعات المسلحة أو الأشخاص الذين يستخدمون القوة لمنع مواطنين من العودة إلى ممتلكاتهم.

ولا يمكن التعامل مع هذه الحادثة باعتبارها خلافاً محلياً عابراً، لأنها تمس حقاً أساسياً يتعلق بالعودة إلى المنازل والممتلكات. لجنة مهجّري تل أبيض/كري سبي طالبت بفتح تحقيق جاد وشفاف ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، مؤكدة أن العودة يجب أن تتم بالتنسيق مع الجهات المعنية وبما يضمن سلامة العائدين وحقوقهم.

كما أن طريقة تعامل السلطة مع الحادثة ستكون مؤشراً مهماً على ما إذا كانت قواعد الأمن والقانون تطبق على الجميع بالمعايير نفسها. فحماية المدنيين لا ينبغي أن تتغير بحسب انتمائهم القومي أو المنطقة التي ينحدرون منها، كما أن الاعتداء على ممتلكات الكورد العائدين لا يمكن تبريره باعتباره نتيجة للتوتر أو الخلاف على الملكيات. وإذا كانت السلـ ـطة الانتقالية ترفض الاتهامات الموجهة إليها بالتقصير أو غض الطرف، فإن الطريق الأكثر وضوحاً لإثبات ذلك هو فتح تحقيق مستقل وشفاف، وتحديد هوية المعتدين، وإلقاء القبض على المتورطين، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام ومحاكمة المعتدين بشكل علني.

وتزداد المسؤولية الحكومية وضوحاً في ظل المعلومات التي تتحدث عن إحراق سيارات العائدين وعرقلة عودتهم. فترك من يعتدي على المدنيين أو يفرض بالقوة أمراً واقعاً على ممتلكاتهم من دون محاسبة، يعني عملياً منح العنف قدرة على تحديد من يحق له العودة ومن يُمنع منها.

ومن هنا، فإن المطلوب لا يقتصر على تأمين خروج العائلات من المبنى، كما حدث بالفعل، بل اتخاذ إجراءات لاحقة تمنع تكرار الاعتداءات، وفي مقدمتها اعتقال المتورطين في إحراق وتكسير سيارات العائدين، حماية الممتلكات، والتحقيق في أداء العناصر الأمنية التي كانت موجودة أثناء الحادثة. وقد أكدت لجنة المهجّرين أن أكثر من 100 عائلة كانت محاصرة داخل مبنى الإدارة، قبل أن تتولى قوى الأمن الداخلي في كوباني إجلاءها إلى مكان آمن.

كما تطرح الحادثة سؤالاً أوسع يتعلق بانتشار السلاح وقدرة السلـ ـطة المؤقتة على ضبطه. فبناء دولة آمنة لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود مجموعات مسلحة أو أفراد قادرين على استخدام السلاح والتهديد والاعتداء على المدنيين من دون محاسبة. ولذلك فإن فرض القانون وجمع الأسلحة غير المرخصة، ضمن آلية قانونية واضحة تشمل مختلف المناطق والمكونات، يجب أن يكون جزءاً من معالجة أمنية شاملة، لا إجراءً انتقائياً يستهدف طرفاً دون آخر.

وأظهرت صور منشورة، المدعو رامي الدهش الذي قام بقص جديلة مقاتلة كوردية، وعلى الرغم من الادعاءات بأن السلـ ـطة المؤقتة حاسبته إلا أنه ظهر مجدداً في الاعتداء على الكورد العائدين إلى تل أبيض، وهذا تأكيد على أن السلـ ـطة تتعامل بازدواجية مع الكورد ولا تحاسب من يعتدون عليهم، وهو ما يتطلب موقفاً جاداً من السلـ ـطة في محاسبة المعتدين إن كانت سلـ ـطة تمثل كل السوريين كما تدعي.

وتكشف حادثة تل أبيض/كري سبي، في نهاية المطاف، أن اختبار السلـ ـطة المؤقتة لا يكمن فقط في قدرتها على احتواء التوتر بعد وقوعه، وإنما في قدرتها على منع الاعتداء قبل وقوعه، وحماية المدنيين أثناء عودتهم، وضمان تطبيق القانون على المعتدي والمعتدى عليه بالمعيار ذاته. وإذا كانت دمشق تريد إثبات أنها تقف على مسافة واحدة من جميع السوريين، فإن الخطوة الأكثر وضوحاً تبدأ بكشف حقيقة ما جرى في تل أبيض/كري سبي، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، وضمان عودة المهجّرين إلى منازلهم وممتلكاتهم من دون خوف أو تهديد.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى