سوريا

كيف يعيش السوريون في مناطق الحكومة السورية بين مطرقة الأزمة الاقتصادية وسندان القرارات المنفصلة عن الواقع

يعاني السوريون في مناطق الحكومة السورية من أزمة اقتصادية خانقة أثقلت كاهلهم بسبب قرارات الحكومة المهمشة لمطالبهم، في الوقت الذي تشهد فيه الليرة السورية هبوطاً حاداً أمام العملات الأجنبية، وقلة فرص العمل وعدم توافق الدخل مع الصرف، مما فاقم الوضع المعيشي لدى أبناء المنطقة أكثر.

ومع بلوغ الأزمة السورية عقدها الأول، تبدو الأوضاع الاقتصادية للبلاد على حافة الهاوية أكثر من ذي قبل، لاسيما مع عدم وجود أي حلول جذرية تلوح في الأفق وضبابية سبل انتهاء الأزمة، ومنذ عام 2020 تفاقمت الأزمة الاقتصادية بشكل أكبر في مناطق الحكومة السورية كان القاسم المشترك الأبرز بينها الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات والسلع الاستهلاكية والتي نجمت عن قرارات حكومية لا تمت للواقع بصلة.

قرارات “بهدف التخلص من المواطن!”

ورفعت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك سعر ليتر البنزين الممتاز أوكتان 90 المدعوم المستلم على البطاقة الإلكترونية بـ 2500 ليرة سورية، وسعر الليتر أوكتان 90 بسعر التكلفة 4000 ليرة سورية، وسعر ليتر أوكتان 95 بـ 4500 ليرة سورية للتر الواحد، مبررةً ذلك بأن الحكومة تستورد النفط بثمن يكلفها أضعافاً حتى تصل إلى سوريا بسبب العقوبات على حد زعمها، لتكون هذه الزيادة هي الخامسة خلال عامين.

وقوبل هذا القرار بردود فعل مختلفة على مواقع التواصل الافتراضي بين منتقد ورافض وساخر، حيث كتب أحدهم معلقاً بسخرية: “بهدف التخلص من المواطن وزيادة حالات الجلطة والنوبات القلبية تم رفع البنزين، أنتم تعيشون خارج الواقع وبعيدين كل البعد عن الشعب والحالة التي وصل لها وقراراتكم تعبر عن ذلك”.

حيث وصل سعر اللتر الواحد من مادة الديزل التي تستخدم كوقود للميكرو باصات ومادة للتدفئة إلى حدود 5500 ليرة سورية بسعر 1210000 ليرة للبرميل، أما البنزين فوصل سعره في السوق السوداء إلى 8000 ليرة للتر الواحد ما أثر سلباً على أسعار المواصلات بالرغم من محاولات الحكومة وضع سقف لأسعار أجرة التكاسي.

فيما رفعت الحكومة السورية عبر وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، سعر أسطوانة الغاز المنزلي الموزع عبر البطاقة الإلكترونية بأكثر من ضعفين وبلغت تعبئة جرة الغاز المنزلي 10500 ل.س، بعدما كانت 3800 ل.س، بينما يبلغ سعر جرة الغاز في السوق السوداء 120 و150 ألف.

وألقت الزيادة في أسعار المحروقات بظلالها أيضاً على أسعار أجرة المواصلات، لترتفع تعرفة سيارات الأجرة بمقدار خمسمئة ليرة للكيلو متر الواحد، الأمر الذي أدى لانتشار وسائل النقل العامة كالدراجات الناريّة، التي هي ممـ*ـنوعة لعامة الناس، وهي مسموحة فقط للعسـ*ـكريين وعـ*ـناصر الأفرع الأمنـ*ـية، وبذلك يقوم عناصر الأفرع الأمنـ*ـية والعسـ*ـكريين بنقل المواطنين بأسعار رخيصة، ما شكل حالة استياء لدى أصحاب السرافيس والتكاسي من هذا الموضوع، بسبب المضاربة على عملهم.

إن أردت التنقل فحياتك معرضة للخطر وأصبحت وجهة للمتحرشين

حيث أن هذا الازدحام الشديد يولد حوادث تصل إلى درجة القتل نتيجة سقوط أو تدافع أو حتى انتقال المرض، من كورونا أو الكوليرا نتيجة التصاق الركاب ببعضهم البعض.

هذا الخطر ظهر على أرض الواقع في كثير من حوادث الدهس التي تعرض لها مواطنون نتيجة سقوطهم من وسائل النقل التي يتم فيها تكديس الأشخاص فوق بعضهم البعض، والتي كان آخرها منذ عدة أيام راح ضحيتها الشاب مروان فارس جزماتي الذي توفي إثر سقوطه من الميكرو باص في حي الفرقان بمدينة حلب.

وباتت أغلبية النساء بعدم الذهاب إلى الأسواق التي تبعد مسافة كبيرة وتتطلب المواصلات حيث تتسبب لهن الاكتظاظ والازدحام، بإستغلالهن بحسب ما وصفت أكثرهن “من بعض عديمي الأخلاق والمريضين، الذين يجدون في التحرش متعة ويستغلون هذا الاكتظاظ للتقرب من النساء”.

أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية

ارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية ضمن الأسواق إلى مستويات غير مسبوقة، إذ وصل نسبة ارتفاع أسعار بعض المواد إلى أكثر من 400 %.

وشهدت نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي تشمل الأجبان واللحوم والخضروات والفواكه الى نحو 60% عن السنوات السابقة.

إلى جانب ذلك، يكثر الحديث عن أزمة الخبز ودور الحكومة بتفاقمها، بعد أن عمدت إلى تحديد عدد ربطات الخبز المباعة عبر “البطاقة الذكية” بناء على عدد أفراد العائلة الواحدة، إذ تشهد الأفران طوابير من الناس في سبيل الحصول على ربطة الخبز الذي ارتفع سعره إلى 200 ل.س، رغم استمرار حديث الحكومة عن حل أزمة القمح وتوفير مادة الطحين. وبحسب الأنباء الواردة من المنطقة، فإن الضباط يشترون ربطة الخبز بـ 200 ل. س ويبيعونها في السوق السوداء بخمسة أضعاف سعرها أي بألف ل. س.

أزمة صحية

تدهور القطاع الصحي في عموم سوريا، حيث باتت كلمة مجاني شكلية خالية من المضمون، نتيجة عوامل عديدة منها عدم وجود أدوية وانخفاض الدعم الحكومي وعجز وزارة الصحة لدى الحكومة السورية عن تأمين الأجهزة الطبية أو حتى قطع تبديل لها، إلى جانب الأدوية التي اعتمدت على المساعدات الدولية في تأمينها. فالقطاع الصحي لم يسلم من تداعيات الأزمة الاقتصادية والانخفاض الذي تشهده الليرة السورية، إذ زادت أسعار الدواء بنسبة 30% رسمياً، أما فعلياً فقد زادت أسعارها ثلاث أضعاف في السوق السوداء، وذلك بعد يوم واحد من الزيادة البسيطة التي طرأت على رواتب العاملين والمتقاعدين لدى الحكومة السورية في منتصف شهر كانون الأول لعام 2021.

زيادة التدهور الاقتصادي والفلتان الأمني

صُنفت سوريا بأنها البلد الأول عربياً في ارتفاع معدلات الجريمة لعام 2021؛ لانتشار الفقر فيه وارتفاع معدلات البطالة، حيث أصبح الفقر ظاهرة مرافقة لأكثر من 90% من أبناء الشعب السوري، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، وازداد معها معدل الجرائم والانتحار.

وبلغت الخسائر بشكل تقديري ما يعادل550 مليار دولار، أي ما تعادل10 أضعاف حجم الناتج المحلي للبلاد عام 2010، وهنا نتحدث عن خسائر الناتج المحلي والدمار المادي التي تجاوزت الـ 65 مليار دولار، بالإضافة إلى خسائر الإنفاق العسكري وقطاع النفط والغاز.

أما عن هبوط قيمة الليرة، في عام 2011، كان الدولار يعادل 47 ل. س، أما الآن في عام 2022، فقد تجاوز الدولار الواحد 5000 ل. س، فهبوط الليرة السورية؛ أدى إلى صعود هائل في الأسعار وزيادة التضخم.

وتصدرت سوريا قائمة الدول العربية في ارتفاع معدل الجريمة، لتحتل المرتبة الأولى عربياً والتاسعة عالمياً، للعام 2021، وذلك بحسب موقع Numbeo Crime Index المتخصص بمؤشرات الجريمة حول العالم، واحتلت مدينة دمشق المرتبة الثانية في ارتفاع معدل الجريمة في الدول الآسيوية، بعد مدينة كابول في أفغانستان وأتت بغداد في المرتبة التاسعة.

وتشهد مناطق الحكومة السورية وقوع العديد من جرائم القتل، إما بهدف السرقة أو بدوافع أخرى، في ظل الانفلات الأمني الذي تعيشه تلك المناطق، بالإضافة إلى ارتفاع في معدلات الانتحار، ويعدّ الفقر والأوضاع الاقتصادية السيئة في مقدمة الأسباب التي تدفع الشباب والفتيات إلى اتخاذ القرار بإنهاء حياتهم، فضلاً عن ظروف الحرب والبطالة والضغوط النفسيّة والاجتماعية.

ولعل من أبرز الجرائم التي يخلفها الفقر هي السرقة، التي تتسبب بنتائج كارثية لكل من يتعرض لها، ونظراً للأوضاع التي تمر بها سوريا، فإن السرقات تجاوزت الحدود الطبيعية، لتطال حتى عناصر قوات الحكومة السورية، فشهدت مدينة حلب وبشكل يومي حالات سرقة، سواء عبر تكسير نوافذ السيارات إلى اقتحام المنازل والتشليح في الطرق، وعلى الرغم من المطالب الشعبية بتسيير دوريات للشرطة، إلا أن هذه المطالب لم تتلقَ آذاناً صاغية من قبل الجهات المعنية.

ووفقاً لقانون العقوبات السوري، في المادة “620”، فإن عقوبة السرقة، التي تتضمن اقتحام البيوت ليلاً بفعل شخصين أو أكثر، تستوجب عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة من 15 إلى 20 عاماً.

وقال أحد عناصر قوات الحكومة السورية والملتحق بالخدمة الاحتياطية، بأنه وعلى الرغم من ارتدائه البدلة عسكرية إلا أنها لم تشفع له، عندما أصبح الموضوع سرقة. فقد تعرض لسرقة هاتفه، بينما كان متجهاً صباحاً إلى نقطته، على الطريق الواصل بين حي المحافظة ودوار عمر أبو ريشة في مدينة حلب.

اتهامات للحكومة السورية بالمساهمة في فقر المواطن بعد رفع أجور الاتصالات

وعمّ استياء كبير أوساط شرائح واسعة من سكان مدينة دمشق، مع استمرار الحكومة السورية برفع عموم الأسعار، وخصوصاً منها أجور الخدمات الأساسية التي تقدمها للمواطنين، في ظل اتهامات بأن الحكومة تسهم في مفاقمة حالة الفقر الشديد التي يرزح السوريون تحت وطأتها. ولفت خبراء إلى أن الحكومة وفي ظل الوضع الاقتصادي والمالي الصعب الذي تعاني منه، حوّلت مداخيل المواطنين الشهرية إلى مصدر تمويل رئيس لخزينتها، بسبب التراجع الحاد وشبه التام لمصادر التمويل وعجزها عن تمويل الاحتياجات الأساسية لهم.

إذ أعلنت «الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد»، في بيان مؤخراً، رفع أسعار الخدمات الأساسية المقدمة من شركتي الخليوي «سيريتل» و«MTN» و«الشركة السورية للاتصالات» الحكومية بنسبة 50 في المائة، وذلك بعد أيام قليلة من رفع وزارة الداخلية رسوم إصدار جواز السفر «الفوري» إلى 300 ألف ليرة سورية، بدل 102 ألف ليرة، والذي سبقه رفع أسعار مادتي البنزين والمازوت غير المدعومتين.

وقُوبل قرار «الهيئة» باستياء كبير من الأهالي في دمشق، لأن المواطن «منهَك أصلاً» بسبب الارتفاع الجنوني المتواصل لعموم الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، إذ بات المرتب الشهري لا يكفي إلا لثلاثة أو أربعة أيام، ومعظم الأسر بحاجة ماسّة إلى الإنترنت لأن لها أولاداً وأقارب في الخارج وتتحدث معهم بشكل شبه يومي، وفي ظل القرار الجديد باتت كل أسرة تحتاج إلى مرتب شهري خاص للاتصالات.

وتحتكر «سيريتل» و«MTN» منذ أكثر من عشرين عاماً سوق الاتصالات الخليوية في سوريا بعقود طويلة الأجل قابلة للتمديد، وذلك بالشراكة مع «المؤسسة العامة للاتصالات» الحكومية وفق نظام الـ«B.O.T» ووصل عدد المشتركين فيهما إلى نحو 16 مليوناً، حسبما ذكر إياد الخطيب وزير الاتصالات مؤخراً.

محسوبية في القطاع الخدمي

على الرغم من دخول الأزمة عامها الـ 11، واندلاعها بسبب انتشار الفساد والمحسوبيات، إلا أن الوضع في مناطق سيطرة الحكومة لم يتغير البتة، فعلى صعيد محافظة حلب، تهتم مؤسسات الحكومة في الناحية الغربية (الغنية) من المدينة على حساب الشرقية (الفقيرة) كنوع من التمييز.فمثلاً؛ إلى الآن وبعد سيطرة قوات الحكومة السورية على كامل مدينة حلب منذ ما يقارب الـ 6 سنوات، لم يُمد ولا حتى كبل كهربائي واحد في المناطق الشرقية لإعادة ترميم البنى التحتية من كهرباء ومياه، بينما تنعم بعض المناطق الغربية بالخطوط الأمنية للكهرباء والتي تنقطع فيها الكهرباء لمدة أربع ساعات فقط.

وتعاني القطاعات الإنتاجية في مناطق الحكومة السورية من سلة أزمات زاد في حدتها إجراءات الحكومة لكبح التضخّم، منها تقييد حركة السحب من المصارف ونقل الأموال بين المحافظات، وتحديد مبلغ الحوالة بسقف المليون ليرة للشخص الواحد، فيمكن أن يستغرق تحويل أربعة ملايين ليرة (أقل من ألف دولار) من دمشق إلى حلب أربعة أيام.

كما تمنع الإجراءات نقل الشخص الواحد لأكثر من خمسة ملايين في سيارته الخاصة، ناهيك بتعقيدات منح إجازات الاستيراد وتأخر التمويل وحصره بشركة صرافة واحدة معتمدة، وقانون تجريم التعامل بغير الليرة.

مشاركة المقال عبر