هل يقترب تحالف تركي–إيراني لمـ ـواجـ ـهة التـ ـوسع الإسـ ـرائيلي في سوريا؟
تبادل استخباراتي أو السماح بمرور دعم لوجستي محدد لحلفاء إقليميين

شهدت الأسابيع الأخيرة تصـ ـاعداً في الخـ ـطاب والدلالات الدبلوماسية بين أنقرة وطهران، على خلفية قلـ ـق إقليمي متـ ـزايد من ما تصفه الدولتان «تـ ـوسـ ـعاُ إسـ ـرائيـ ـلياً» في الجنوب السوري ولبنان. زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى طهران واجتماعه مع نظيره عباس عراقجي سلطت الضوء على تنسيق براغماتي موسّع يشمل قضـ ـايا أمـ ـنـ ـية وتجارية، مع تأكيد متبادل على اعتبار السياسات الإسـ ـرائيـ ـلية مصدر قلـ ـق للطرفين.
فدوافع تكوّن أي محفل إقليمي مشترك واضحة من منظور طهران وأنقرة، لأن إيران ترى في توسيع العمليات الإسرائيلية تهديداً مباشراً لشبكاتها وحلفائها (خصوصاً حزب الله في لبنان)، وتحمّل إسرائيل مسؤولية زعزعة الاستقرار والقضاء على وجودها في سوريا وبالتالي تسعى لتجميع مواقف إقليمية مضادة.
أما تركيا، ورغم حساباتها الإقليمية المختلفة، تواجه تراجعاً في قواعد الاستقرار على حدودها الجنوبية وإعادة ترتيب للنفوذ في سوريا قد يهدد مصالحها الأمنية والاقتصادية؛ لذا تبدو أنقرة منفتحة على تعاون أوسع مع طهران لمنع تغيّر موازين القوى في سوريا بما يتعارض مع مصالحها.
أي شكل يمكن أن يتخذه التنسيق؟
ولا يتوقع ظهور “حلف عسكري رسمي” بين أنقرة وطهران ضد إسرائيل في المدى القريب؛ أما المعطيات الأكثر احتمالاً فهي:
تنسيق دبلوماسي وسياسي مشترك لمناهضة خطوات إسرائيل أمام المنتديات الإقليمية والدولية، وطلب تدخل دولي لتهدئة الجبهات.
تعاون استخباراتي غير معلن، كما حصل مطلع شهر تشرين الثاني الفائت، عندما تم تهريب صواريخ إيرانية إلى حزب الله عبر الفرقة 44 في قوات سلطة دمشق الجديدة واستخدام إبراهيم الهفل وشقيقه في إيصال الأسلحة من الحدود العراقية إلى الفرقة 44 وإيصالها إلى لبنان، إلى جانب التعاون الاستخباراتي في تبادل المعلومات عن التحركات الإسرائيلية.
تعميق روابط اقتصادية وبُنى لوجستية (سكك حديد، طاقة) توظف كأدوات نفوذ وترابط استراتيجي بين البلدين، وهو ما تم الإعلان عنه خلال اللقاء الأخير بين فيدان وعراقجي. هذا الربط الاقتصادي يسهّل قنوات تواصل طويلة الأمد قد تُستغل سياسياً لاحقاً.
دعم غير مباشر لحلفاء إقليميين، فطهران تستمر في دعم حزب الله ولجماعات تابعة لها في سوريا استخدمتها خلال فترة تواجدها في سوريا، بينما قد توفر تركيا “مساحات سياسية” أو ضوابط على أنشطتها لمنع تصعيد مفتوح — أو العكس حسب المصالح اللحظية. تقارير تحدثت عن مؤشرات تنسيق بين تركيا وحزب الله اللبناني ضمن سياق مقاومة التوسع الإسرائيلي رغم حساسية العلاقة.
المعوِّقات والحدود الواقعية
إن تركيا وإيران تتنافسان في سوريا، ولديهما كيانات محلية تدور ولاؤها بطرق مختلفة؛ وهذا يحدّ من إمكانية تحالف عسكري موحَّد.
الخطر من المواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، فدعم منخرط أو علني لحزب مسلح ضد إسرائيل قد يضع أنقرة في مواجهة مباشرة مع حليف دولي هشّ مثل واشنطن، وهو أمر لا ترغب فيه أنقرة عملياً. فالتقارير تشير إلى استمرار قنوات تنسيق تركي-أميركي بشأن سوريا.
كما أن إسرائيل تملك أدوات عسكرية جوية واستخباراتية قوية قادرة على استهداف شبكات أو مواقع إقليمية، مما يردع تصعيداً مباشراً قد يكلف كثيراً كلا الطرفين.
سيناريوهات محتملة خلال الشهور المقبلة
ومن أبرز السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة القادمة:
تنسيق سياسي واقتصادي مُعمَّق قصير المدى على الأرجح: استمرار لقاءات وزارية وتوسيع الاتفاقات الاقتصادية (سكك حديد، طاقة)، مع بيانات مشتركة ضد التحركات الإسرائيلية ودعوات لآليات دولية للتهدئة.
تنسيق عملي عبر قنوات غير رسمية: تبادل استخباراتي أو السماح بمرور دعم لوجستي محدد لحلفاء إقليميين مثلما حصل بإيصال السلاح إلى حزب الله. وهذا السيناريو يوفر لأنقرة مساحة مناورة ويعطي طهران أدوات مواجهة غير مباشرة.
تصعيد إقليمي غير متحكم به (أقل احتمالاً لكنه خطير): اندلاع مواجهة بين إسرائيل وحزب الله أو تصاعد عمليات في العمق السوري يؤدي إلى استقطاب واضح لأنقرة وطهران على جبهات معاكسة أو متقاربة، مع مخاطر دخول أطراف إقليمية في مواجهة أوسع. حيث تشير التقارير إن إيران مستعدة لتوسيع النزاع إذا دعت الضرورة.
المعطيات الراهنة تُشير إلى تقارب براغماتي تركي–إيراني في الخطاب واللقاءات الرسمية، مع دوافع واضحة لرأب الصدع أمام التوسع الإسرائيلي وحماية مصالح الطرفين في سوريا. وهذا التقارب هو أقرب ما يكون إلى تنسيق إقليمي متعدد المستويات (دبلوماسي، اقتصادي، استخباراتي غير معلن)، وليس تحالفاً عسكرياً موحداً ضد إسرائيل. العائق الأهم أمام تحالف عسكري واضح هو تداخل المصالح والتنافس الإقليمي، بالإضافة إلى حسابات أنقرة الحذرة تجاه واشنطن وقدرات الردع الإسرائيلية.



