خـ ـفايا القرار الأميركي… رفع قيـ ـصر ليس مجانياً والاتفاق مع قسد في قلب الشروط

يتجه الكونغرس الأميركي نحو أكبر تحول في سياسته تجاه سوريا منذ سنوات، بعد إدراج بند إلغـ ـاء “قانون قيـ ـصر” داخل مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني، في خطوة تعكس إعادة تقييم شاملة للمشهد السوري ولأداء سلـ ـطة دمشق المؤقتة بعد سقـ ـوط النظـ ـام السابق. وعلى الرغم من أن النص النهائي ينص على رفع القانون بالكامل، فإن الإلـ ـغاء لا يأتي بلا أثمان سياسية، بل يخضع لآلية مراقـ ـبة صـ ـارمـ ـة تضع سلـ ـطة دمشق تحت اختبار دوري يمتد لأربع سنوات، بما يجعل رفع القيـ ـصر أشبه بصفـ ـقة مشـ ـروطة أكثر منه تنـ ـازلاً أميركياً.

وتتضح ملامح الصفقة حين نقرأ المعايير التي اشترطها الكونغرس لاستمرار رفع العقوبات. فواشنطن لم تعد تبحث عن مجرد التزام نمطي بمحاربة داعش، بل عن شراكة أمنية متماسكة يمكن من خلالها ضمان عدم عودة التنظيم، وضمان خروج المسلحين الأجانب من مفاصل الدولة، وتأمين حقوق الأقليات الدينية والإثنية، ومنع أي مغامرات عسكرية إقليمية. لكن الشرط الأكثر حساسية يبرز في موضع آخر: اتفاق 10 آذار 2025 بين سلطة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والذي بات بمثابة حجر الزاوية في تقييم جدية دمشق تجاه التحول السياسي والأمني.

فالاتفاق مع قسد لم يعد مجرد تفاهم محلي أو ترتيبات داخلية كما كان يُقدَّم في السنة الماضية، بل أصبح معياراً صريحاً في القانون الأميركي، يربط رفع قانون قيصر بمدى التزام السلطة الجديدة بدمج الهياكل الأمنية لقسد بشكل متناسب، وتوفير تمثيل سياسي حقيقي لها، والحفاظ على المستوى المطلوب من التنسيق الأمني مع التحالف الدولي. بهذا المعنى، تحوّل الاتفاق إلى امتحان مزدوج: فهو من جهة اختبار لمدى قدرة سلطة دمشق على إعادة بناء منظومتها الأمنية بما يمنع الانهيار الداخلي، ومن جهة أخرى ورقة توازن ضرورية للولايات المتحدة التي ترى في قسد ضامنها الأساسي لمنع عودة الإرهاب شرق البلاد.

وتأتي هذه التحولات في لحظة سياسية دقيقة، إذ تسعى واشنطن إلى صياغة علاقة جديدة مع سوريا بعد انهيار النظام السابق، في ظل ضغوط أوروبية لإيجاد مسار يسمح بإعادة اللاجئين تدريجياً، ووسط رغبة متزايدة لدى الولايات المتحدة في منع اتساع دائرة الفوضى الاقتصادية التي قد تعيد إنتاج التطرف. رفع القيصر—رغم أهميته—ليس خطوة ثقة مطلقة، بل بداية مرحلة اختبار طويلة تراقب فيها واشنطن قدرة سلطة دمشق على بناء دولة قابلة للاستقرار، وعلى التعامل مع القوى المحلية دون إقصاء أو صدام.

وفي الداخل السوري، يُنظر إلى احتمالات رفع العقوبات على أنها فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي، خصوصاً مع الوعود بعودة البنوك المراسلة، وتسهيل التحويلات، وفتح الباب أمام مشاريع البنية التحتية. لكن هذه الفوائد تظل مرهونة، مرة أخرى، بمدى التزام السلطة بتنفيذ الشروط التي تراها الولايات المتحدة ضرورية لضمان عدم عودة الماضي. فالقيصر قد يُرفع رسمياً، لكنه سيظل معلقاً في الهواء، قابلاً للعودة إذا اختبرت واشنطن إخلالاً في الملفات الأساسية، وعلى رأسها اتفاق قسد.

بين اختبار السيادة ومتطلبات الشرعية الدولية، تبدو سلطة دمشق مقبلة على مرحلة سياسية غير مسبوقة، عنوانها الأساسي هو: هل تستطيع السلطة تحويل رفع قيصر من صفقة مشروطة إلى تحوّل فعلي نحو الاستقرار؟ أم أن الشروط الأميركية ستبقى سيفاً معلّقاً يعيد البلاد إلى دائرة العقوبات عند أول تعثر؟

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى