إعادة رسم الخرائط على حساب الحقوق الكوردية

فيما تتسارع التحولات في منطقة الشرق الأوسط، يتحول المشهد في شمال وشرق سوريا وكذلك بالنسبة لإقليم كوردستان العراق إلى إعادة تشكيل منظّم لموازين القوى، تقوده شبكة مصالح متقاطعة. في قلب هذه الشبكة يبرز مثلث (تركيا – الشرع – بقايا التطرف) كأداة تنفيذية واحدة، تعمل بتكامل أدوار، بينما تُستثمر خطوط التجارة ومشاريع “التنمية” كغطاء سياسي واقتصادي لإعادة رسم الخرائط على حساب الحقوق الكوردية.

(تركيا – الشرع – بقايا التطرف) أداة تنفيذية واحدة

تسعى تركيا منذ سنوات إلى تثبيت واقع جيوسياسي جديد في الشمال السوري، يتجاوز هاجس ما يسمى “الأمن القومي” المعلن، نحو مشروع احتواء طويل الأمد لأي كيان كوردي يتمتع بإدارة ذاتية أو وزن سياسي مستقل. في هذا السياق، لم تعد الفصائل المسلحة أدوات منفصلة، بل باتت أجزاءً من منظومة واحدة تتوزع فيها الوظائف.
يبرز اسم أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) بوصفه رأس حربة في إعادة تدوير خطاب التطرف ضمن قالب “إداري/محلي” أكثر قابلية للتسويق الدولي. فهيئة تحرير الشام تحاول تقديم نفسها كقوة “أمر واقع” منضبطة، لكنها في العمق تشكل امتداداً لبنية أيديولوجية تتقاطع مع بقايا شبكات التطرف التي لم تُفكك جذرياً.
هذا التلاقي لا يعني تطابقاً تنظيماً مباشراً بقدر ما يعني تناغماً وظيفياً متكاملاً، فتركيا توفر الغطاء السياسي والعسكري واللوجستي، والشرع وتشكيلاته يديرون الأرض ويعيدون إنتاج الشرعية المحلية. بينما تستخدم بقايا التطرف كورقة ضغط أو كأداة تخويف لإعادة هندسة المجتمع.

طريق التنمية التجاري… حيث تُقايض الحقوق بالخرائط الاقتصادية

في موازاة التحركات العسكرية، يتقدم خطاب “الممرات الاقتصادية” و“طريق التنمية” (أوفاكوي) بوصفه مشروعاً إقليمياً واعداً. هنا تتقاطع مصالح قطر والسعودية، اللتين تنظران إلى خطوط النقل والطاقة والتجارة بوصفها رافعة استراتيجية في مرحلة ما بعد الحروب.
مشاريع الربط البري بين الخليج وتركيا وأوروبا، عبر العراق وسوريا، تمنح هذه الدول، منفذاً تنافسياً أمام الممرات الإيرانية وفرصة استثمارية ضخمة في إعادة الإعمار، و كذلك ورقة نفوذ سياسي في المعادلة السورية.
غير أن الإشكالية تكمن في أن هذه المشاريع تمر جغرافياً عبر مناطق كوردية أو قريبة منها. وهنا تظهر معادلة خطيرة: إما دمج هذه المناطق ضمن ترتيبات تخضع للرؤية التركية، أو تهميشها وإضعافها لضمان انسيابية الخطوط التجارية دون عوائق سياسية.
بهذا المعنى، يتحول “الحق الكوردي” سواء في سوريا أو العراق، في الإدارة والاعتراف الدستوري والشراكة الوطنية، إلى عنصر قابل للمقايضة في سوق المصالح الإقليمية. تُقدَّم التجارة بوصفها أولوية مطلقة، بينما يُعاد تعريف الاستقرار على أنه غياب أي مشروع سياسي مستقل لا ينسجم مع خريطة الممرات.

تحت عنوان “الاستقرار الاقتصادي” غزو اللوبيات الغربية

على الجانب الأخر، تلعب بعض الدوائر الغربية دوراً في طرح مفهوم “الاستقرار الاقتصادي” كمدخل لتبرير ترتيبات أمنية وسياسية تفرضها الوقائع العسكرية. ومن بين الأسماء التي يُشار إليها في هذا السياق توم براك، المعروف بعلاقاته الاستثمارية والسياسية الواسعة في الشرق الأوسط.
وتتمثل رؤية اللوبي الغربي في إعادة تعريف الفاعلين المسلحين كـ“شركاء محليين في الاستقرار”. والتركيز على الفرص الاستثمارية بدلاً من مساءلة البنية الأيديولوجية أو سجل الانتهاكات. وأيضاً تصوير أي اعتراض كوردي أو محلي على هذه الترتيبات كعائق أمام التنمية.
بهذا الخطاب، يُختزل الصراع إلى مسألة “تحفيز اقتصاد” و“فتح أسواق”، بينما تُهمَّش الأسئلة الجوهرية حول العدالة الانتقالية، وحق المكونات في تقرير شكل إدارتها، وضمانات عدم عودة التطرف.
الخطر هنا لا يكمن في التجارة بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى مبرر لإقصاء مكوّن أصيل من معادلة المستقبل.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى