استدعاء الأرشيف العثماني في سوريا: بين بين إثبات الملكية ونية الاحتـ ـلال

في الآونة الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن مسألة استدعاء الأرشيف العثماني لإثبات ملكية الأراضي في سوريا، وهي قضية تبدو في ظاهرها قانونية تقنية، لكنها في عمقها تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية حساسة. فهل نحن أمام إجراء قانوني مشروع لإعادة الحقوق، أم أمام محاولة لإعادة تشكيل الخريطة العقارية والنفوذ داخل سوريا؟
وكشفت وزارة الأوقاف السورية أنها طلبت من “الديانات التركية” تزويدها بسجلات الوقف العثماني الأمر الذي فتح باب المخاوف لدى العديد من التجار وأصحاب المحال في الأسواق التاريخية السورية، من احتمال إعادة تصنيف ملكيات قائمة منذ عقود كأوقاف، أو الاستيلاء عليها.
مخاوف من إلغاء الطابو السوري الحديث واستبداله بالطابو العثماني
وتطرح مخاوف حقيقية من أن يؤدي استدعاء الأرشيف العثماني إلى خلق حالات يفقد فيها مالكون حاليون صفة الملكية، بناءً على وثائق تعود إلى أكثر من قرن. هذا السيناريو لا يتعلق فقط بالنزاعات القانونية، بل بتداعيات اجتماعية خطيرة، حيث قد يجد مواطنون أنفسهم فجأة أمام طعون في ملكيات مستقرة منذ أجيال.
إن هشاشة الوضع القانوني في ظل الحرب، ووجود مناطق خارجة عن السيطرة المركزية، قد يزيد من احتمالية استخدام هذه الوثائق بطريقة انتقائية أو غير شفافة، ما يعمّق الإحساس بعدم الأمان العقاري.
بين إثبات الملكية ونية الاحتلال؟
يرى بعض المراقبين أن المسألة تتجاوز حدود إثبات الملكية إلى ما هو أبعد: نية إعادة توسيع النفوذ. فاستدعاء الأرشيف العثماني لا يُفهم فقط كعملية قانونية، بل قد يُقرأ ضمن سياق أوسع مرتبط بالدور الإقليمي التركي في سوريا.
هذا الطرح يذهب إلى أن إعادة إحياء وثائق تعود للعهد العثماني قد تحمل دلالات رمزية وسياسية، تُستخدم لتبرير حضور أو نفوذ ممتد، خاصة في المناطق التي تشهد وجودًا تركيًا مباشرًا أو غير مباشر.
وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلق الأمر بسجلات الأوقاف. فالتعاون مع مؤسسات تركية، مثل رئاسة الشؤون الدينية، للحصول على وثائق وقفية قديمة، يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة: هل يمكن أن تتحول أدوات قانونية كهذه إلى وسائل لتعزيز نفوذ خارجي؟
الأوقاف تاريخيًا كانت تمتلك مساحات واسعة من الأراضي، واستدعاء سجلاتها قد يعني إعادة طرح ملكيات كبيرة ضمن إطار جديد. وهنا، لا تعود المسألة مجرد إثبات ملكية، بل إعادة تعريف لمن يملك ومن يدير هذه الموارد.
هل هي خطة ممنهجة؟
تتحدث بعض التحليلات عن وجود خطة ممنهجة لاستملاك الأراضي السورية عبر وثائق عثمانية قديمة، بالتوازي مع عمليات شراء واستملاك محلية تقوم بها جهات مرتبطة بشركات مثل “اكتفاء الإدلبية”، المنسوبة إلى محمد سويدان.
وفق هذا الطرح، فإن الأراضي التي كانت تُسجّل ضمن أملاك الدولة العثمانية قد تُستخدم اليوم كمدخل قانوني لإعادة الاستحواذ عليها، خاصة في ظل غياب نظام قضائي موحد وفعّال في بعض المناطق.
الخطر يتجاوز “تتريك الملكية”
لا يقتصر الجدل على فكرة “نقل الملكية” أو ما يُوصف بـ“تتريكها”، بل يتجاوز ذلك إلى احتمال إعادة توزيعها داخليًا. فاستدعاء الأرشيف العثماني قد يصبح أداة لإعادة ترتيب خريطة النفوذ الاقتصادي داخل السوق المحلي، من خلال نقل السيطرة على العقارات إلى جهات محددة.
بمعنى آخر، الخطر لا يكمن فقط في انتقال الملكية من طرف إلى آخر، بل في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المعنية، بما ينعكس على التوازنات المحلية.



