التعايش المشترك في شمال وشرق سوريا.. ركيزة الاستقرار وإفـ ـشال محاولات بـ ـثّ الفـ ـتنة

تشهد مناطق شمال وشرق سوريا خلال المرحلة الراهنة حراكاً مجتمعياً متصـ ـاعداً يعكس تمسّك مكوّنات المنطقة بنهج العيش المشترك وتعزيز العلاقات التاريخية التي جمعت شعوب الجزيرة على مدار عقود طويلة. ففي ظل التحـ ـديـ ـات السياسية والأمـ ـنـ ـية التي تمر بها المنطقة، يواصل أبناء المكوّنات الكوردية والعربية والسريانية التأكيد على أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ترسيخ ثقافة الشراكة المجتمعية والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي بعيداً عن كل أشكال الانقـ ـسـ ـام والتفـ ـرقة.

وفي هذا السياق، احتضنت قرية سارنجة دقورية بمنطقة الجزيرة، الواقعة على الطريق الواصل بين عامودا والحسكة والدرباسية والحسكة، اجتماعاً موسعاً في الأول من أيار الجاري جمع وجهاء وشيوخ عشائر كوردية وعربية إلى جانب شخصيات اجتماعية، وذلك بدعوة من عشيرة الدقوريين. وجاء اللقاء في إطار جهود مجتمعية تهدف إلى تعزيز الوحدة بين المكونات وترسيخ أسس الاحترام المتبادل والتماسك الاجتماعي، حيث نُصبت خيم لاستقبال الوفود المشاركة في أجواء عكست الطابع الأخوي للاجتماع.

وأكد المشاركون خلال كلماتهم أن أبناء المنطقة يرتبطون بتاريخ مشترك وعلاقات اجتماعية متجذرة تتجاوز كل محاولات التفريق، مشددين على أن الروابط التي تجمع العرب والكورد والسريان ليست ظرفية أو مرتبطة بمصالح آنية، بل تستند إلى تاريخ طويل من التعايش والتكافل الاجتماعي والمصير المشترك. كما جرى التأكيد على أن أي محاولات تستهدف إثارة الفتنة بين المكونات أو ضرب حالة الاستقرار المجتمعي ستفشل أمام وعي شعوب المنطقة وإصرارها على حماية وحدتها.

وشدد المجتمعون على أن الحفاظ على حالة التماسك القائمة يتطلب مزيداً من التنسيق والتعاون بين مختلف القوى المجتمعية والعشائرية، باعتبار أن العشائر تمثل ركناً أساسياً في البنية الاجتماعية لشمال وشرق سوريا، ولها دور محوري في حماية السلم الأهلي ومنع أي محاولات لزرع الانقسام أو تأجيج النزاعات.

ولم يقتصر هذا الحراك على لقاء سارنجة دقورية، إذ سبق ذلك اجتماع موسّع عُقد في الرابع والعشرين من نيسان الفائت في قرية تل علو جنوب مدينة جل آغا، بمشاركة واسعة من وجهاء وشيوخ العشائر العربية والكوردية والسريانية، وذلك بدعوة من شخصيات عشائرية بارزة. وهدف الاجتماع إلى تعزيز الروابط الاجتماعية بين مكونات الجزيرة والتأكيد على رفض جميع محاولات بث الفتنة والتفرقة.

وشهد اللقاء كلمات شددت على أن منطقة الجزيرة كانت على الدوام نموذجاً للتنوع المجتمعي، وأن أبناءها تمكنوا عبر مختلف المراحل التاريخية من الحفاظ على علاقاتهم رغم كل التحديات. كما أشار المتحدثون إلى أن المنطقة واجهت على مرّ السنوات محاولات متكررة لإحداث شرخ بين مكوّناتها، إلا أن الوعي المجتمعي حال دون نجاح تلك المساعي، وحافظ على وحدة الصف والتلاحم بين شعوبها.

وفي موازاة هذه اللقاءات الاجتماعية، عكست الزيارة الرعوية لقداسة البطريرك مار أغناطيوس أفرام الثاني إلى مدينة قامشلو في الثلاثين من نيسان الفائت مشهداً آخر من مشاهد التنوّع والتعايش في شمال وشرق سوريا. فقد استُقبل البطريرك وسط مشاركة واسعة من الأحزاب والمؤسسات وممثلي المكونات والعشائر، إلى جانب حشود كبيرة من أبناء المكوّن السرياني الذين احتشدوا لاستقباله في أجواء احتفالية.

وشكلت الزيارة رسالة واضحة تؤكد مكانة المكوّن السرياني كجزء أصيل من النسيج الاجتماعي في المنطقة، كما عكست حجم التفاعل والتضامن بين مختلف المكونات التي شاركت في مراسم الاستقبال، في مشهد يعكس واقع التعددية الثقافية والاجتماعية التي تتميز بها مناطق شمال وشرق سوريا.

ويأتي هذا الحراك المجتمعي في وقت تتزايد فيه حملات التضليل والتحريض عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي، والتي تحاول تصوير المشهد في شمال وشرق سوريا على أنه قائم على التنافر أو التناقض بين المكونات. إلا أن الوقائع الميدانية والاجتماعات المتكررة والفعاليات المشتركة تكشف عكس ذلك تماماً، وتؤكد أن ما يُروَّج من خطابات تحريضية لا يعدو كونه محاولات ممنهجة لإفشال أي خطوات أو مبادرات تصب في صالح السلام والاستقرار.

وتسعى هذه الحملات إلى ضرب الثقة بين المكونات وإثارة الشكوك المتبادلة، مستغلة طبيعة المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا عموماً وشمال وشرق البلاد خصوصاً. غير أن أبناء المنطقة، من خلال تحركاتهم ومواقفهم المعلنة، يؤكدون تمسكهم بخيار العيش المشترك ورفضهم الانجرار وراء خطاب الكراهية والانقسام.

كما شدد المشاركون في الاجتماعات الأخيرة على دعم أي تفاهمات أو اتفاقات من شأنها تعزيز الاستقرار وترسيخ الأمن المجتمعي، مؤكدين أن نجاح أي عملية سلام في سوريا لا يمكن أن يتحقق عبر التفاهمات السياسية وحدها، بل يتطلب أولاً بيئة اجتماعية قائمة على الشراكة الحقيقية بين مختلف المكونات.

فالسلام لا يُبنى فقط عبر الاتفاقات الرسمية، بل يبدأ من المجتمع نفسه، من قدرته على حماية تنوعه، واحترام خصوصيات مكوّناته، وتحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة واستقرار. ومن هنا، فإن التعايش المشترك يشكل حجر الأساس لأي مشروع مستقبلي يهدف إلى بناء سوريا مستقرة وآمنة تتسع لجميع أبنائها.

وتؤكد مشاهد الاجتماعات العشائرية والزيارات الدينية والمناسبات المشتركة في شمال وشرق سوريا أن أبناء المنطقة ماضون في ترسيخ نموذج قائم على التعاون والتكامل المجتمعي، بعيداً عن الاصطفافات الضيقة والتحريض الطائفي التي تشهده بقية المناطق السورية. وفي ظل استمرار التحديات، تبدو الرسالة الأبرز الصادرة من الجزيرة واضحة: لا استقرار دون وحدة المكونات، ولا سلام دون التعايش المشترك.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى