التعايش المشترك ضرورة تاريخية لضمان الاستقرار وبناء سلام مستدام

فاضل عبد الجبال
في ظلّ التعقيدات السياسية والاجتماعية التي تشهدها سوريا منذ سنوات، برز مشروع الأمة الديمقراطية كإطار فكري وسياسي يسعى إلى إعادة بناء المجتمع على أسس التعددية، واللامركزية، واحترام الخصوصيات الثقافية والقومية والدينية. ويقوم هذا المشروع على فكرة جوهرية مفادها أن التعايش المشترك وأخوة الشعوب ليسا مجرد شعارات، بل ضرورة تاريخية لضمان الاستقرار وبناء سلام مستدام في المنطقة.
إن التعايش المشترك في سوريا ليس خيارًا ترفيهيًا، بل هو واقع تفرضه طبيعة المجتمع السوري المتنوع، الذي يضم الكرد والعرب والسريان والآشوريين والتركمان، إلى جانب تنوع ديني وثقافي غني. ومن هنا، فإن أي مشروع يسعى إلى إقصاء هذا التنوع أو تهميشه، إنما يساهم في تعميق الأزمات بدل حلّها.
وفي هذا السياق، تبرز أخوة الشعوب كقيمة إنسانية وسياسية تسعى إلى بناء جسور الثقة بين المكونات المختلفة، على قاعدة الاحترام المتبادل والاعتراف المتساوي بالحقوق. إلا أن ما يتم تداوله مؤخرًا عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي من خطاب معادٍ لهذه الفكرة، ومحاولات تصويرها كتهديد لهوية بعض المكونات، ليس سوى جزء من حملات تهدف إلى إفشال أي مساعٍ حقيقية للسلام في سوريا. هذه الخطابات التحريضية تسعى إلى زرع الشكوك بين الشعوب، وتقويض المبادرات التي تعمل على تعزيز الحوار والتفاهم.
لقد أثبتت التجارب أن أي عملية سلام لا يمكن أن تنجح دون ترسيخ مبدأ التعايش المشترك. فالسلام لا يُبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل يحتاج إلى أرضية اجتماعية قائمة على الثقة والتعاون. ومن دون ذلك، تبقى أي تسويات عرضة للانهيار.
وفي مقابل محاولات التشويه والتفرقة، شهدت مناطق شمال وشرق سوريا عددًا من المبادرات التي تعكس روح التقارب الحقيقي بين المكونات. ومن أبرز هذه الأمثلة ملتقى العشائر الذي عُقد في مدينة عامودا، حيث اجتمعت شخصيات ووجهاء من مختلف العشائر لمناقشة سبل تعزيز السلم الأهلي والتعاون المشترك. كما شكّلت زيارة بطريرك السريان إلى المنطقة خطوة رمزية مهمة، حملت رسالة واضحة حول أهمية الحوار بين الأديان وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
هذه المبادرات وغيرها تؤكد أن التعايش ليس فكرة نظرية، بل ممارسة يومية يمكن تحقيقها عبر الإرادة المشتركة والعمل الجماعي.
وفي الوقت ذاته، من الضروري التأكيد أن مفهوم أخوة الشعوب لا يعني بأي شكل من الأشكال التنازل عن حقوق أي مكوّن، وعلى رأسها حقوق الشعب الكوردي في سوريا. فبعض الجهات تحاول استغلال هذا المفهوم لتبرير إنكار الحقوق القومية والثقافية للشعب الكوردي، وهو أمر يتناقض جوهريًا مع مبادئ الأمة الديمقراطية. إن أخوة الشعوب الحقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل، وليس على الذوبان أو الإلغاء.
وعليه، فإن الدفاع عن التعايش المشترك يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع الدفاع عن الحقوق المشروعة لكل الشعوب. فلا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي دون ضمان العدالة والمساواة، ولا يمكن تحقيق سلام دائم دون الاعتراف بالتنوع واحترامه.
في الختام، يبقى مشروع الأمة الديمقراطية إطارًا واعدًا لإعادة بناء سوريا على أسس جديدة، تتجاوز الصراعات التقليدية، وتفتح الباب أمام مستقبل قائم على التعددية والتعاون. وبين محاولات العرقلة وحملات التشويه، تبقى إرادة الشعوب في العيش المشترك أقوى، وأقدر على رسم ملامح السلام الحقيقي.



