اللغة الكوردية في سوريا: اعتراف ناقص يعيد أسئلة العدالة والمواطنة

اللغة الكوردية بين “الوطنية” و”الرسمية”
تُعدّ اللغة الكوردية واحدة من أقدم اللغات الحيّة في منطقة الشرق الأوسط، وهي اللغة الأم لملايين الكورد الذين يعيشون في سوريا إلى جانب مكونات أخرى أسهمت عبر التاريخ في بناء الهوية الوطنية السورية. ومع التحولات السياسية التي شهدتها البلاد بعد الثورة السورية، عاد النقاش بقوة حول مكانة اللغة الكوردية وحقوق الناطقين بها، خاصة بعد إصدار الحكومة السورية مرسوماً اعتبر اللغة الكوردية “لغة وطنية”، مع رفض منحها صفة “اللغة الرسمية” في الدولة.
ما الفرق بين اللغة الوطنية واللغة الرسمية؟
فاللغة الوطنية هي اللغة التي تعبّر عن هوية جماعة قومية أو مكوّن اجتماعي داخل الدولة، وتعترف الدولة بأنها جزء من تراثها الثقافي والتاريخي. أما اللغة الرسمية فهي اللغة المعتمدة في مؤسسات الدولة والإدارة والتعليم والقضاء والوثائق الرسمية، وتُستخدم في الحياة العامة بشكل قانوني ودستوري.
وبذلك، فإن الاعتراف باللغة الكوردية كلغة وطنية يحمل بُعداً رمزياً وثقافياً، لكنه لا يمنح الكورد حق استخدام لغتهم في المؤسسات الحكومية أو المدارس أو المعاملات الرسمية بصورة كاملة.
قرارات حكومية تثير غضب الشارع الكوردي
هذا التمييز بين المفهومين أثار انتقادات واسعة في الأوساط الكوردية، خصوصاً مع استمرار إجراءات تُفسَّر على أنها امتداد لسياسات الإقصاء القديمة. ومؤخراً، أثار رفض السلطات كتابة أسماء بعض المؤسسات الرسمية باللغة الكوردية إلى جانب اللغة العربية موجة استياء واسعة بين السكان في المناطق ذات الغالبية الكوردية.
واعتبر كثيرون أن هذا القرار يعكس ذهنية لا تختلف كثيراً عن ذهنية النظام السابق الذي سعى لعقود إلى طمس الهوية الكوردية ومنع استخدامها في المجال العام.
هل تغيّرت سياسات الإقصاء بعد الثورة؟
يرى سوريون أن الثورة السورية لم تكن مجرد حركة لإسقاط نظام سياسي، بل مشروعاً لبناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة بين جميع المكونات. ولذلك يتساءل كثيرون اليوم: ما جدوى الثورة إذا كانت الحكومة الحالية تعيد إنتاج السياسات ذاتها القائمة على التهميش وإنكار التعددية الثقافية واللغوية؟
بالنسبة لقطاعات واسعة من الكورد، فإن أي حديث عن سوريا جديدة يفقد معناه إذا لم يترافق مع اعتراف حقيقي بحقوقهم القومية والثقافية واللغوية.
اللغة الكوردية وحقها الدستوري
إن الاعتراف الحقيقي بالتنوع السوري لا يتحقق عبر خطوات رمزية فقط، بل من خلال ضمانات دستورية واضحة تكفل حقوق جميع المكونات دون استثناء. ومن هنا، يطالب الكورد بإدراج اللغة الكوردية في الدستور السوري كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، بما يضمن حق المواطنين الكورد في التعليم بلغتهم، واستخدامها في المؤسسات الرسمية، وظهورها في اللافتات والوثائق العامة، باعتبار ذلك حقاً طبيعياً لمكوّن أصيل من مكونات الشعب السوري.
التعددية اللغوية ضمان لوحدة سوريا
كما أن اعتماد اللغة الكوردية لغة رسمية لا يشكّل تهديداً لوحدة البلاد، بل يمكن أن يكون خطوة نحو تعزيز الاستقرار والشراكة الوطنية، عبر الاعتراف المتبادل واحترام الخصوصيات الثقافية والقومية. فالدول الديمقراطية الحديثة تُبنى على مبدأ التعددية، لا على فرض هوية واحدة وإقصاء الهويات الأخرى.
وفي ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا، تبدو الحاجة ملحّة إلى صياغة عقد وطني جديد يعترف بجميع السوريين على قدم المساواة، ويؤسس لدولة تحترم التنوع اللغوي والثقافي باعتباره مصدر غنى وقوة، لا سبباً للانقسام.



