بين “التعطيش” و”الإغراق”.. تركيا تتحكم بمياه نهر الفرات

تشهد المناطق السورية الواقعة على امتداد مجرى نهر الفرات، من جرابلس شمالاً وصولاً إلى الرقة ودير الزور، واحدة من أخـ ـطر الأزمـ ـات المائية والإنسانية منذ سنوات، في ظل الارتفاع الحـ ـاد وغير المسبوق في منسوب المياه، بعد قيام تركيا بزيادة تدفق مياه نهر الفرات وفتح بوابات مفيض سد أتاتورك، ما تسبب بفيـ ـضانات واسعة وأضـ ـرار كـ ـارثية في الأراضي الزراعية والمناطق السكنية.

الأزمة الحالية أعادت إلى الواجهة ملف تحكم أنقرة الكامل بورقة المياه، واستخدامها المتكرر لنهر الفرات كأداة ضـ ـغط سياسية واقتصادية على سوريا والعراق، وسط اتهـ ـامـ ـات متزايدة لتركيا بإدارة الملف المائي وفق مصالحها الإقليمية، بعيداً عن الاتفاقيات الدولية وحقوق دول المصب.

ارتفاع غير مسبوق في الوارد المائي

وفي أحدث تطور، أعلن وزير الطاقة لدى سلطة دمشق المؤقتة، محمد البشير، عبر منصة “إكس”، أن تركيا رفعت تدفق مياه نهر الفرات إلى نحو 1800 متر مكعب في الثانية، الأمر الذي دفع الجهات السورية إلى فتح البوابة الرابعة في سد الفرات لتمرير 100 متر مكعب إضافية في الثانية، محذراً الأهالي من الاقتراب من ضفاف النهر بسبب خطورة الوضع.

وقال البشير إن الجهات المختصة نسّقت مع وزارة الطوارئ والمحافظات لاتخاذ إجراءات احترازية عاجلة، في محاولة لاحتواء التداعيات المتسارعة للفيضانات.

لكن هذه الزيادة الضخمة في التدفق المائي، والتي جاءت بشكل مفاجئ، تسببت بحالة إرباك واسعة على امتداد مجرى الفرات، خاصة أن البنية التحتية الهشة في مناطق شمال وشرق سوريا غير قادرة على استيعاب هذا الحجم من المياه، بعد سنوات طويلة من الحرب وتضرر شبكات الحماية والسدود والقنوات.

من “التعطيش” إلى “الإغراق”

المفارقة الأبرز في المشهد الحالي، أن الأزمة تأتي بعد أقل من عام على أزمة معاكسة تماماً، حين شهدت سوريا انخفاضاً حاداً وخطيراً في واردات نهر الفرات بسبب تقليص تركيا لكميات المياه المتدفقة نحو الأراضي السورية.

وفي أيار 2025، حذّرت تقارير محلية وخبراء مياه من أن الوارد المائي انخفض حينها إلى أقل من 200 متر مكعب في الثانية، أي أقل بكثير من الكمية المنصوص عليها في اتفاقية 1987 بين سوريا وتركيا، والتي تضمن تدفق 500 متر مكعب في الثانية كحد أدنى.

وتسببت تلك السياسة حينها بأزمة كهرباء خانقة، وانخفاض حاد في مياه الشرب، إضافة إلى تراجع المساحات الزراعية بنسبة تجاوزت 37% في بعض المناطق، مع ارتفاع معدلات الجفاف وتملّح الأراضي الزراعية.

واليوم، تنتقل الأزمة من “شح المياه” إلى “فيضانات مدمرة”، في مشهد يعكس حجم الهيمنة التركية على النهر، وقدرة أنقرة على التحكم الكامل بمنسوب المياه وفق قرارات سياسية وفنية مرتبطة بسدودها العملاقة، وعلى رأسها سد أتاتورك.

كارثة زراعية وإنسانية

الفيضانات الحالية ألحقت أضراراً واسعة بالقطاع الزراعي، الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي في مناطق شمال وشرق سوريا.

ففي ريف جرابلس، غمرت المياه آلاف الهكتارات المزروعة بالمحاصيل الصيفية والقمح والخضروات، كما وصلت المياه إلى منازل الأهالي، ما أجبر عشرات العائلات على النزوح المؤقت نحو مناطق أكثر أمناً.

أما في ريف كوباني، فقد تعرضت عشرات القرى الزراعية لأضرار كبيرة، من بينها قناية، بوراز، قبة، جعدة، تل أحمر وقرية الشيوخ، حيث غمرت المياه مساحات شاسعة من الأراضي المزروعة بالقمح المروي.

ولم تقتصر الخسائر على الزراعة فقط، بل امتدت إلى قطاع الثروة السمكية، بعد تسرب كميات ضخمة من أسماك الشبوط من المسامك والأحواض إلى مجرى النهر، ما تسبب بخسائر مالية كبيرة للمربين الذين يعتمدون على هذا القطاع كمصدر رزق رئيسي.

وفي الرقة، وصلت المياه إلى عدد من الخيام والمنازل في قرية كسرة شيخ الجمعة بريف المحافظة الجنوبي، وسط مخاوف من اتساع رقعة الغمر خلال الأيام المقبلة مع استمرار ارتفاع المنسوب.

دير الزور في مواجهة الخطر

في دير الزور، تبدو المخاطر أكثر تعقيداً، نظراً لضعف البنية الخدمية وتضرر الجسور والسواتر الترابية خلال السنوات الماضية.

ومع ارتفاع منسوب الفرات، ازدادت المخاوف من غمر مناطق إضافية، خصوصاً في محيط محطة زور المشهور بمنطقة الجزرات في الريف الشمالي، حيث تقترب المياه من مناطق حيوية ومأهولة.

كما يواجه الأهالي صعوبات كبيرة في التنقل بين ضفتي النهر، بعد اعتماد الكثير منهم على العبارات النهرية البدائية، في ظل تضرر الجسور وانعدام البدائل الآمنة.

المياه كورقة ضغط سياسية

ويرى مراقبون أن ما يجري اليوم يؤكد مجدداً أن ملف المياه بات أداة نفوذ سياسية بيد أنقرة، تستخدمها ضمن توازناتها الإقليمية وعلاقاتها مع دمشق و”الإدارة الذاتية” والعراق.

فرغم التحسن النسبي في العلاقات بين الحكومة السورية المؤقتة وتركيا خلال المرحلة الأخيرة، لا تزال أنقرة تتحكم بكامل مفاتيح تدفق الفرات، مستفيدة من شبكة السدود العملاقة التي أقامتها داخل أراضيها.

كما يشير خبراء إلى أن التحكم المفاجئ بمنسوب المياه، سواء عبر التخفيض أو الرفع الكبير، يخلق أزمات مركبة تتجاوز الجانب البيئي، لتطال الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي وحتى التوازن الديمغرافي، مع ازدياد احتمالات النزوح من المناطق الزراعية المتضررة.

مخاوف من اتساع الكارثة

ومع استمرار تدفق المياه بمعدلات مرتفعة، تتزايد التحذيرات من احتمال توسع الفيضانات نحو مناطق إضافية على طول مجرى الفرات، خاصة في ظل غياب خطط استجابة فعالة وضعف الإمكانيات المحلية.

ويطالب الأهالي والفعاليات المحلية الجهات المعنية بالتدخل العاجل، عبر تعزيز السواتر الترابية، وإجلاء السكان من المناطق المهددة، وتقديم الدعم للمزارعين المتضررين، بالتوازي مع ضرورة فتح تحرك سياسي وقانوني جدي للضغط على تركيا لاحترام الاتفاقيات المائية الدولية ومنع استخدام المياه كسلاح ضغط إقليمي.

وبات واضحاً أن سوريا تقف اليوم أمام معادلة خطيرة؛ فبعد سنوات من “التعطيش”، تواجه مناطق الفرات الآن خطر “الإغراق”، في ظل تحكم تركي شبه كامل بمصير واحد من أهم الأنهار الحيوية في المنطقة.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى