مجلة نيو لاينز الأمريكية: كيف حلت حلفايا وإدلب محل القرداحة في قلب السلطة السورية
النخب الجديدة تتقاسم السلطة في سوريا ما بعد الأسد ضمن شبكة من مراكز النفوذ الريفية

نشرت مجلة “نيو لاينز” الأمريكية مقالة تحليلية تسلط الضوء على التحولات العميقة في بنية السلطة داخل سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث لم يُلغِ سقوط النظام منطق المركز الواحد بقدر ما أعاد إنتاجه بصيغ جديدة. فبينما تراجعت رمزية القرداحة كمركز تقليدي للنفوذ، برزت مناطق مثل حلفايا ومحافظة إدلب كمراكز صاعدة لإعادة تشكيل النخبة الحاكمة، عبر شبكات تقوم على الانتماء الجغرافي والولاءات الشخصية والعسكرية. وتطرح المقالة تساؤلات حادة حول ما إذا كانت سوريا تتجه فعلاً نحو نظام جديد، أم أنها تعيد تدوير أنماط الحكم القديمة ولكن بوجوه وأماكن مختلفة.
وجاء في المقال:
منذ سقوط نظام الأسد في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت سنوات طويلة من العزلة والانقسام تتراجع، وبدأ بعض السوريين يعرّفون أنفسهم بفخر بقولهم: “أنا من حلفايا” أو “أنا من إدلب”.
هذا النوع من الإجابة يأتي رداً على سؤال سوري قديم يتكرر في كل لقاء: “من أين أنت؟”.
هذا السؤال في سوريا لم يكن يوماً بريئاً أو مجرد تحديد جغرافي، بل كان دائماً يحمل دلالات اجتماعية وسياسية وطائفية أعمق بكثير. فالسوريون يدركون فوراً أنه سؤال يتعلق بالهوية والانتماء والموقف من السلطة.
قبل الحرب، كان السؤال وسيلة لتقييم الشخص الآخر: هل هو صديق أم خصم؟ خلال سنوات الحرب، تحول إلى سؤال مصيري عند الحواجز العسكرية، حيث كانت الإجابة تحدد أحياناً الحياة أو الموت.
وفي الوعي السوري، لم تكن الإجابة تشير فقط إلى المكان، بل إلى شبكة كاملة من الدلالات: الطائفة، المنطقة، والولاء السياسي. وبعد سقوط النظام، اكتسب السؤال طبقة جديدة: هل هذا الشخص من الثورة، أم من النظام السابق، أم من مناطق أخرى مثل الإدارة الكردية؟
ومع الوقت، بدأت الإجابات تتبلور في تصنيفات اجتماعية جديدة: أبناء الثورة، المترددون، الموالون للنظام، وفئة جديدة برزت بقوة بعد التغيير تُعرف بـ“مهندسي الثورة”.
عندما يقول البعض “أنا من حلفايا” أو “أنا من إدلب”، فهم غالباً يضعون أنفسهم ضمن هذه الفئة الأخيرة. لكن هذه الإجابة ليست دائماً حقيقة دقيقة، بل قد تكون أحياناً تعبيراً رمزياً عن مكانة أو طموح اجتماعي.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: لماذا برزت حلفايا وإدلب تحديداً كمصدرين لهذه الهوية الجديدة؟
الإجابة لا تتعلق فقط بحجم التضحيات، بل بما حدث بعد سقوط النظام، حين انتقل أبناء هذه المناطق من مقاتلين في الميدان إلى وزراء وقادة أمنيين ومسؤولين في الدولة الجديدة.
وهكذا عاد سؤال قديم إلى الواجهة: من يجني ثمار الثورات؟
فكونك “صانع ثورة” لا يعني بالضرورة أنك ستصبح صانع الدولة التي تليها، وهذه هي المفارقة التي تعيشها حلفايا اليوم.
حلفايا: بلدة زراعية تتحول إلى مركز نفوذ
حلفايا بلدة زراعية تقع شمال غرب حماة على ضفاف نهر العاصي، وتشتهر بزراعة البطاطا والكمون ومزارع الأسماك. كما اشتهرت محلياً بمركبة بدائية الصنع عُرفت باسم “الحلفاوية”، ابتكرها الحرفيون لنقل المحاصيل في ظل شح السيارات وارتفاع أسعارها.
لكن البلدة ليست مجرد مساحة زراعية، فقد كانت من أوائل المناطق التي انطلقت منها الاحتجاجات ضد نظام الأسد.
في ديسمبر/كانون الأول 2012، شهدت حلفايا مجزرة راح ضحيتها 43 شخصاً، عُرفت لاحقاً باسم “مجزرة الخبز”.
لاحقاً، ظهرت فيها تشكيلات مسلحة متعددة، اندمجت مع فصائل أخرى خلال الحرب، وبحلول عام 2025 أصبحت جزءاً من الجيش السوري الجديد.
وبذلك، أصبح عدد كبير من أبناء البلدة داخل المؤسسة العسكرية في الدولة الجديدة.
وكغيرها من المناطق السورية، لم تكن حلفايا موحدة سياسياً، إذ وُجد فيها أيضاً مؤيدون للنظام السابق، بل وشُكلت فيها مجموعات موالية له.
صعود حلفايا في الدولة الجديدة
بعد استعادة النظام السيطرة على البلدة عام 2017، تراجع حضورها في المشهد السياسي. لكن مع انهيار النظام في ديسمبر 2024، عادت بقوة إلى قلب السلطة.
وخلال فترة قصيرة، انتقل عدد من أبنائها من ساحات القتال إلى مواقع القرار في دمشق.
وأبرز هؤلاء مرهف أبو قصرة، المعروف بلقب “أبو الحسن 600”، الذي تولى منصب وزير الدفاع في الحكومة الانتقالية.
وفي الحكومة التي تشكلت بعد سقوط الأسد، حصل أبناء حلفايا على أربع حقائب وزارية:
الدفاع
التجارة الداخلية
الزراعة
الأوقاف
لكن النفوذ لم يتوقف هنا، بل امتد إلى الأجهزة الأمنية والإدارية والعسكرية.
إدلب وصعود مراكز النفوذ الجديدة في الدولة
ما حدث في حلفايا لم يكن حالة معزولة، بل جزءاً من نمط أوسع امتد إلى إدلب، التي أصبحت أحد أهم مصادر النخب السياسية والعسكرية في سوريا ما بعد الأسد.
في وزارة الدفاع وحدها، شغل عدد من أبناء إدلب أو ريفها مناصب رفيعة كنائب وزير دفاع أو قادة ألوية. ومن بينهم شخصيات جاءت من تفتناز، وكفر يحمول، وسرجة، ومحيط إدلب، بعضهم كان مدنياً قبل الحرب ثم تحوّل إلى قيادات عسكرية بعد سنوات الصراع.
ومن أبرز هذه الأسماء فهيم عيسى، الذي برز كقائد لفصيل “السلطان مراد”، إلى جانب ضباط سابقين أو مدنيين تم دمجهم لاحقاً في المؤسسة العسكرية الجديدة بترقيات سريعة.
كما شمل هذا التحول شخصيات دينية وعسكرية في الوقت نفسه، إضافة إلى مقاتلين سابقين منشقين عن جيش النظام، جرى إدماجهم في الجيش الجديد وتكليفهم بقيادات حساسة في وحدات مختلفة.
هذا التحول لم يقتصر على الجيش فقط، بل امتد إلى الإعلام أيضاً.
فعدد من كوادر منصة “صنّاع سوريون” التي نشأت في إدلب انتقلوا إلى مؤسسات الدولة الإعلامية الجديدة. فأصبح بعضهم في مواقع قيادية داخل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وآخرون في وكالة سانا، وفي إدارة الإعلام الرقمي والقنوات الرسمية.
وهكذا، لم يعد الإعلام الرسمي منفصلاً عن بيئة إدلب التي كانت يوماً خارج سيطرة الدولة.
تشكّل شبكة سلطة جديدة
هذا الانتقال الواسع من إدلب وحلفايا إلى مؤسسات الدولة لم يكن مجرد صدفة أو حاجة إدارية، بل يعكس تشكل شبكة سلطة جديدة قائمة على ثلاثة عناصر رئيسية:
الانتماء الجغرافي (المدينة أو البلدة)
روابط الحرب (القتال في نفس الفصائل أو الجبهات)
العلاقات الشخصية والعائلية
وبمرور الوقت، أصبح واضحاً أن مراكز النفوذ لا تتشكل فقط داخل المؤسسات الرسمية، بل أيضاً عبر شبكات غير مرئية من الولاء والقرابة.
عودة منطق العائلة إلى قلب الدولة
في هذا السياق، برز دور العائلات بشكل واضح داخل بنية السلطة الجديدة، حيث تم توزيع مناصب حساسة على أقارب الرئيس الانتقالي وشبكته المقربة.
فقد شغل شقيقه مناصب عليا في رئاسة الدولة، بينما تولى شقيق آخر مسؤولية هيئة الاستثمار. كما تم تعيين أصهار وأقارب في البنك المركزي، وإدارة العاصمة، ومناصب اقتصادية وأمنية حساسة.
كما امتد هذا النفوذ إلى مستويات أخرى من الإدارة، حيث تولى مقربون من العائلة إدارة المعابر والهيئات التنظيمية والملفات السيادية.
وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، تم تعيين أحد الأقارب في منصب أمني رفيع في دمشق، بعد ترقيته السريعة من رتبة عسكرية منخفضة إلى رتبة عالية خلال فترة قصيرة جداً، في قفزة اعتُبرت غير مألوفة في المؤسسة العسكرية.
جدل واسع حول المحسوبية
هذه التعيينات أثارت انتقادات واسعة في الداخل السوري، حيث اعتبرها البعض إعادة إنتاج لنفس آليات الحكم القديمة التي كانت سائدة في عهد النظام السابق.
وصدرت تقارير حقوقية وصحفية تنتقد ما وصفته بعودة “المحسوبية السياسية” إلى الدولة الجديدة، مشيرة إلى أن كثيراً من التعيينات تمت بناءً على القرب من مراكز القرار وليس على الكفاءة أو الخبرة.
في المقابل، دافع بعض المسؤولين عن هذه التعيينات باعتبارها ضرورة فرضتها المرحلة الانتقالية وسرعة بناء مؤسسات الدولة.
لكن المنتقدين رأوا أن ما يجري ليس مجرد خلل إداري مؤقت، بل نمط حكم يتشكل تدريجياً.
الدولة السائلة وعودة مراكز النفوذ التقليدية
يرى الكاتب أن ما يجري في سوريا ما بعد الأسد لا يمكن اعتباره دولة مكتملة التكوين بعد، بل أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ“الدولة السائلة”؛ أي كيان سياسي لم يستقر بعد على شكل نهائي، وتتشكل ملامحه داخل توازنات داخلية وإقليمية معقدة.
فبعد سقوط النظام، لم تنتقل السلطة إلى جهة واحدة واضحة، بل توزعت بين أطراف متعددة لها نفوذ متفاوت. فتركيا، التي دعمت فصائل مختلفة خلال الحرب، حصلت على جزء من هذا النفوذ، إلى جانب أطراف إقليمية ودولية أخرى، ما خلق حالة من تعدد مراكز القرار داخل الدولة الجديدة.
هذا التعدد في مراكز القوة لم يؤدِّ إلى بناء نظام أكثر كفاءة أو عدالة، بل ساهم في إعادة إنتاج شبكات نفوذ محلية، قائمة على الولاء والعلاقات الشخصية والانتماء الجغرافي.
وبذلك، لم تعد هناك “قرداحة واحدة” كما كان الحال في عهد الأسد، بل ظهرت عدة مراكز صغيرة للنفوذ، أبرزها حلفايا وإدلب، إضافة إلى شبكات عائلية وشخصية تتقاطع مع هذه الجغرافيا.
شبكات العائلة داخل السلطة
يتجلى هذا النمط أيضاً في الطريقة التي أُديرت بها المناصب العليا، حيث أصبحت العائلات المقربة من مراكز الحكم لاعباً أساسياً في توزيع السلطة.
فالرئيس الانتقالي، وفق هذا النمط، قام بتعيين عدد من أقاربه في مواقع حساسة خلال فترة قصيرة: في رئاسة الجمهورية، وهيئات الاستثمار، وإدارة البنك المركزي، ومناصب إدارية في العاصمة.
كما تم تعيين أقارب آخرين في مفاصل اقتصادية وإدارية حساسة، إضافة إلى شخصيات مرتبطة به عبر المصاهرة أو القرابة في مواقع سيادية.
هذه التعيينات أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بعض المنظمات الحقوقية إلى انتقاد ما وصفته بـ“تكرار نموذج الحكم العائلي” لكن في صيغة جديدة تختلف عن عهد الأسد.
وفي المقابل، برر مسؤولون هذه التعيينات بأنها ضرورية لملء الفراغ الإداري في مرحلة انتقالية حساسة، حيث تحتاج الدولة إلى أشخاص موثوقين بسرعة.
لكن السجال الحقيقي لم يكن حول السرعة فقط، بل حول طبيعة النظام الذي يتشكل: هل هو دولة مؤسسات أم شبكة ولاءات؟
منطق السلطة في الأنظمة ما بعد الحرب
يؤكد الكاتب أن هذا النمط ليس سوريّاً فقط، بل يتكرر في تجارب دول خرجت من أنظمة سلطوية أو حروب أهلية، حيث تميل السلطة إلى الاعتماد على دوائر ضيقة من الثقة: العائلة، المنطقة، الرفاق في السلاح.
في مثل هذه السياقات، تتحول مسقط رأس القادة إلى مراكز قوة سياسية واقتصادية، يتوجه إليها الناس لحل مشاكلهم عبر شبكات النفوذ، لا عبر المؤسسات الرسمية.
ويستعرض الكاتب أمثلة تاريخية، مثل العراق في عهد صدام حسين، حين أصبحت تكريت مركزاً رئيسياً للسلطة، حيث شغل أبناء المنطقة مواقع أمنية وعسكرية واقتصادية حساسة.
لكن بعد سقوط النظام عام 2003، تحولت تكريت من مركز قوة إلى مدينة مهمشة، بل ومُستهدفة بسبب ارتباطها بالنظام السابق.
القرداحة: نموذج مختلف
في المقابل، كانت القرداحة في سوريا مركزاً ثابتاً للسلطة خلال حكم عائلة الأسد. فقد خرج منها كبار المسؤولين في الجيش والأمن والاقتصاد، وأصبحت رمزاً للنفوذ السياسي.
لكن، وعلى عكس تكريت، لم تكن القرداحة مجرد مركز عائلي ضيق، إذ دعمتها بنية أيديولوجية أوسع تمثلت في حزب البعث، الذي ضم أطيافاً متعددة من المجتمع السوري، بما في ذلك شخصيات سنية في مناصب عسكرية وأمنية رفيعة.
هذا الإطار الأيديولوجي ساعد على إعطاء النظام السابق طابعاً أكثر اتساعاً من مجرد حكم عائلة واحدة، رغم أن العائلة بقيت في مركز السلطة.
النظام الجديد والتحدي القادم
أما في المرحلة الحالية، فيرى الكاتب أن النظام الجديد لا يمتلك “مظلة أيديولوجية” مماثلة، بل يعتمد على شبكات أكثر ضيقاً تقوم على الولاء الشخصي والعسكري والانتماء المحلي.
ويحذر من أن هذا النوع من البنية قد يخلق مشاكل طويلة الأمد، لأنه يعيد إنتاج منطق السلطة القائم على القرب لا على المؤسسات، وعلى الثقة الشخصية لا على القانون.
وفي النهاية، يخلص المقال إلى أن سوريا لم تعد تدور حول “قرداحة واحدة”، بل حول عدة مراكز قوة صغيرة ومتداخلة: حلفايا، إدلب، وعائلات وشبكات نفوذ متعددة، تشكل معاً مشهداً سياسياً جديداً لا يزال في طور التشكل.



