تفاهمات بين موسكو ودمشق حول “حميميم” و”طرطوس”

تشهد الساحة السورية تطوراً لافتاً في ملف الوجود العسـ ـكري الروسي، بعد مؤشرات متزايدة على توصل موسكو ودمشق إلى تفاهمات جديدة تضمن استمرار القاعـ ـدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس.

وأعاد تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال تسليط الضوء على هذا الملف، بعدما كشف عن وصول تعـ ـزيزات وإمـ ـدادات روسية جديدة إلى قاعـ ـدة حميميم الجوية خلال الأشهر الماضية، في خطوة اعتُبرت مؤشراً واضحاً على استقرار التفاهمات بين الطرفين بشأن مستقبل الوجود الروسي في سوريا.

إعادة تموضع بعد سقوط النظام السابق

ومنذ الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد أواخر عام 2024، دخلت العلاقات السورية الروسية مرحلة إعادة تقييم شاملة. فبينما سعت سلطة دمشق المؤقتة التي يقودها أحمد الشرع إلى صياغة علاقة مختلفة مع موسكو تقوم على المصالح المشتركة بعيداً عن إرث المرحلة السابقة، ركزت روسيا على ضمان استمرار وجودها العسكري باعتباره أحد أهم مكاسبها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وتشير المعطيات إلى أن موسكو أعادت هذا الربيع تزويد قاعدة حميميم بالمعدات والإمدادات التي كانت قد سحبت جزءاً منها عقب التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد. كما وصلت سفن شحن روسية إلى ميناء طرطوس محملة بمستلزمات تشغيل القاعدة الجوية، في رسالة واضحة تؤكد تمسك الكرملين بالحفاظ على وجوده العسكري طويل الأمد.

ولم تقتصر المفاوضات بين الجانبين على الجانب العسكري فقط، بل شملت ملفات سياسية واقتصادية متعددة. فدمشق طالبت بدور روسي في دعم مسار العدالة الانتقالية، إضافة إلى معالجة الملفات المرتبطة بمرحلة التدخل العسكري الروسي السابق، بينما أبدت موسكو استعدادها للمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية ودعم قطاع الطاقة.

وخلال الأشهر الماضية لعبت روسيا دوراً مهماً في تزويد سوريا بكميات كبيرة من الوقود، الأمر الذي ساعد الحكومة المؤقتة في سوريا على التخفيف من أزمة الطاقة، كما طرحت شركات روسية مشاريع للمشاركة في إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والطرق والمنشآت الحيوية.

أهمية استراتيجية لقاعدتي حميميم وطرطوس

وتمثل قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية ركيزتين أساسيتين للاستراتيجية الروسية خارج حدودها. فمن خلالهما تضمن موسكو حضورها العسكري في شرق البحر المتوسط، وتدير جزءاً مهماً من عملياتها اللوجستية والعسكرية الممتدة نحو أفريقيا والشرق الأوسط.

وتكتسب قاعدة طرطوس أهمية إضافية باعتبارها نقطة دعم وإمداد للأسطول الروسي، فضلاً عن دورها المتنامي في تسهيل التحركات الروسية نحو القارة الأفريقية، التي أصبحت إحدى ساحات النفوذ الرئيسية لموسكو خلال السنوات الأخيرة.

أما قاعدة حميميم، فتبدو مرشحة للعب دور جديد يتجاوز المهام القتالية التقليدية، ليشمل التدريب العسكري المشترك وإعادة تأهيل الجيش السوري وصيانة المعدات والآليات ذات المنشأ الروسي.

تبدل في المواقف الدولية

وتزامنت هذه التفاهمات مع تغيرات مهمة في المشهد الدولي. فقد أنهت الولايات المتحدة وجودها العسكري في سوريا مطلع عام 2026 بعد أكثر من عقد من الانتشار العسكري المرتبط بمحاربة تنظيم داعش، ما أوجد فراغاً استراتيجياً استثمرته موسكو لتعزيز موقعها.

كما تراجعت الضغوط الأوروبية التي كانت تطالب دمشق سابقاً بإنهاء التعاون العسكري مع روسيا، ولم يعد ملف القواعد الروسية يشكل شرطاً أساسياً في مسار تطبيع العلاقات بين سوريا والدول الغربية.

وفي السياق ذاته، انسحبت القوات الروسية من بعض المواقع في شمال شرقي سوريا، بما في ذلك مطار القامشلي العسكري، في إطار عملية إعادة تموضع مدروسة تركز على تعزيز الوجود في الساحل السوري.

مهام جديدة في مرحلة مختلفة

ويرى خبراء روس أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تعريف رسمية لدور القاعدتين عبر اتفاقيات جديدة تنظم طبيعة الوجود الروسي ومهامه الزمنية والعملياتية.

وبحسب هذه الرؤية، ستتحول حميميم إلى مركز للتدريب والتأهيل العسكري وتطوير القدرات الفنية للجيش السوري، بينما تحتفظ طرطوس بدورها التقليدي كمركز لوجستي وبحري يخدم التحركات الروسية في المتوسط وأفريقيا.

كما تبرز أهمية الموقع السوري في ظل التوترات الإقليمية المتصلة بأمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، حيث يمكن أن تتحول سوريا إلى عقدة لوجستية مهمة تربط الشرق الأوسط بأوروبا عبر مشاريع النقل والطاقة وخطوط الإمداد المستقبلية.

شراكة جديدة أم تحالف متجدد؟

وتشير التطورات الحالية إلى أن موسكو ودمشق تتجهان نحو صياغة نموذج جديد للعلاقة الثنائية يختلف عن صيغة التحالف التي سادت خلال عهد النظام السابق. فروسيا تسعى للحفاظ على نفوذها العسكري والاستراتيجي في المنطقة، بينما ترى سلطة دمشق المؤقتة في العلاقة مع موسكو ورقة توازن مهمة في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.

ومع استمرار التنسيق السياسي والعسكري بين الجانبين، يبدو أن قاعدتي حميميم وطرطوس ستبقيان عنواناً رئيسياً للحضور الروسي في الشرق الأوسط، ولكن ضمن مهام وأدوار جديدة تتكيف مع التحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة خلال السنوات الأخيرة.

ماذا عن الدماء السورية التي أريقت؟

ورغم الحديث عن التفاهمات الجديدة بين موسكو ودمشق ومستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، لا يزال ملف الضحايا المدنيين الذين سقطوا خلال سنوات التدخل العسكري الروسي حاضراً بقوة في الذاكرة السورية. فمنذ بدء التدخل الروسي المباشر في سبتمبر/أيلول 2015، وثّقت منظمات حقوقية وتقارير دولية مقتل آلاف السوريين جراء الغارات الجوية والعمليات العسكرية التي استهدفت مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك أحياء سكنية ومنشآت طبية وتعليمية وأسواق شعبية.

ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين دمشق وموسكو، إذ تطالب أصوات سورية ومنظمات حقوقية بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة خلال سنوات الحرب، وكشف مصير الضحايا وتحقيق العدالة للمتضررين وعائلاتهم، باعتبار أن أي مسار للمصالحة أو إعادة بناء الدولة لا يمكن أن يتجاهل حجم الخسائر البشرية التي خلفها النزاع.

 

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى