امتحانات الثانوية العامة في سوريا بين التوتـ ـرات الأمـ ـنية والانقـ ـسـ ـامات السياسية

انطلقت امتحانات الشهادة الثانوية العامة في سوريا وسط ظروف استثنائية فرضتها التحديات الأمـ ـنية والتجـ ـاذبات السياسية، حيث تقدم نحو 369 ألف طالب وطالبة لأداء الامتحانات في مختلف المحافظات، في وقت برزت فيه أزمـ ـة محافظة السويداء التي حُـ ـرم آلاف طلابها من المشاركة، بينما شهدت مناطق شمال شرقي البلاد تجربة جديدة تمثلت بإدارة مشتركة للامتحانات بين الحكومة المؤقتة والإدارة الذاتية.
السويداء.. أزمة تعليمية على وقع الانقسام والقلق الأمني
وللعام الثاني على التوالي، يواجه طلاب الشهادات العامة في محافظة السويداء تحديات معقدة تهدد مستقبلهم الدراسي، في ظل استمرار التوترات الأمنية التي دفعت الحكومة المؤقتة إلى نقل المراكز الامتحانية إلى دمشق وريفها.
إلا أن هذه الخطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل المحافظة، إذ لم يتمكن عدد كبير من الطلبة، الذين يقدر عددهم بنحو 13 ألفاً و700 طالب وطالبة، من الوصول إلى مراكز الامتحانات، وسط مخاوف أمنية واعتراضات شعبية على نقل الامتحانات خارج المحافظة.
وشهدت مدينة السويداء وقفات احتجاجية نظمها الأهالي، الذين اعتبروا أن نقل المراكز الامتحانية يمس بحق الطلاب في التعليم، مطالبين بإجراء الامتحانات داخل المحافظة وتوفير الظروف الأمنية المناسبة لذلك.
كما أخفقت جهود أممية سابقة في التوصل إلى تفاهم يسمح بإجراء الامتحانات داخل السويداء تحت إشراف حكومي ورقابة دولية، ما دفع الأمم المتحدة إلى التعبير عن أسفها لعدم تحييد ملف التعليم عن الخلافات السياسية.
إجراءات أمنية مشددة في مختلف المحافظات
وشهد اليوم الأول من الامتحانات انتشاراً واسعاً لقوى الأمن الداخلي والكوادر الطبية في محيط 1570 مركزاً امتحانياً، ضمن إجراءات هدفت إلى ضمان سير العملية الامتحانية.
ووفق بيانات وزارة التربية السورية، بلغ عدد المتقدمين 368 ألفاً و596 طالباً وطالبة، بينهم أكثر من 215 ألفاً في الفرع العلمي، و127 ألفاً في الفرع الأدبي، إضافة إلى طلبة الثانوية المهنية والشرعية.
وفي محافظتي طرطوس واللاذقية، لوحظ تجمع أعداد كبيرة من الأهالي أمام المراكز الامتحانية بانتظار أبنائهم، في مشهد عكس حالة القلق المتزايدة لدى سكان الساحل السوري على خلفية حوادث الخطف والاضطرابات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
الحسكة.. إدارة مشتركة للمرة الأولى
في المقابل، شهدت محافظة الحسكة تطوراً غير مسبوق، حيث جرت الامتحانات لأول مرة منذ أكثر من 13 عاماً بإشراف مشترك بين وزارة التربية لدى الحكومة المؤقتة والإدارة الذاتية، في إطار التفاهمات التي أعقبت اتفاق الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وشارك في الامتحانات 13 ألفاً و715 طالباً وطالبة موزعين على مراكز في الحسكة والقامشلي والشدادي ورأس العين/سري كانيه، وسط تأكيدات من مديرية التربية بأن الامتحانات جرت في أجواء منظمة.
ويعد هذا التعاون ثمرة لاتفاق دمج المؤسسات الذي ينص على استمرار العمل بمناهج الإدارة الذاتية خلال المرحلة الانتقالية حتى عام 2028، مع العمل على إعداد منهاج وطني موحد، إضافة إلى ضمان الاعتراف الرسمي بشهادات الطلاب في مناطق شمال شرقي سوريا.
تعديلات تعليمية وجدل مستمر
وتأتي هذه الدورة الامتحانية في ظل تغييرات واسعة أجرتها الحكومة المؤقتة على المناهج الدراسية بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، حيث أُدخلت تعديلات هدفت إلى إزالة المضامين المرتبطة بأيديولوجيا حزب البعث، إلى جانب حذف مواد أثارت جدلاً دينياً واجتماعياً وأخرى مرتبطة بحقبة الاحتلال العثماني لسوريا.
وأكدت الحكومة المؤقتة أن هذه التعديلات مؤقتة وتندرج ضمن المرحلة الانتقالية، إلى حين إعداد مناهج جديدة تعكس التوجهات التعليمية المستقبلية.
التعليم بين السياسة والأمن
وتكشف امتحانات الثانوية العامة هذا العام حجم التحديات التي تواجه قطاع التعليم في سوريا، حيث لا تزال العملية التعليمية تتأثر بشكل مباشر بالانقسامات السياسية والاضطرابات الأمنية، الأمر الذي يضع مستقبل آلاف الطلاب أمام تحديات إضافية، ويؤكد الحاجة إلى تحييد التعليم عن الصراعات وضمان حق جميع الطلبة في الوصول إلى مدارسهم ومراكز امتحاناتهم بعيداً عن التجاذبات والأزمات المتواصلة.



