“قانون وكرامة” في دمشق.. اعتـ ـصام يفـ ـضح اتساع الفـ ـجوة بين الشارع والسلـ ـطة

شهدت العاصمة دمشق، اليوم، اعتصـ ـاماً تحت شعار “قانون وكرامة” أمام مبنى مجلس الشعب، في تحرك مدني حمل رسائل سياسية واقتصادية واجتماعية، وعكس حجم التـ ـذمـ ـر المتزايد من أداء الحكومة المؤقتة، وسط مطالب بإرساء دولة القانون ومحـ ـاربة الفـ ـسـ ـاد وتحقيق العدالة الانتقالية، في وقت طغت فيه مشاهد التوتـ ـر والمشـ ـادات الكلامية على أجواء الوقـ ـفة.

مطالب تتجاوز الأوضاع المعيشية

وشارك في الاعتصام عشرات السوريين، بينهم مثقفون وناشطون في المجتمع المدني وكبار في السن، ورفعوا شعارات تطالب بتجريم الطائفية ومحاسبة المسؤولين عن الفساد والانتهاكات، وإنهاء الفصل التعسفي، وتحسين الخدمات الأساسية، إضافة إلى إعادة المهجرين وإطلاق مسار حقيقي للعدالة الانتقالية.

وأكد المشاركون أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد لا يمكن تجاوزها من دون بناء مؤسسات قائمة على القانون والمساءلة، مشددين على أن جذب الاستثمارات وإعادة الإعمار يتطلبان توفير بيئة آمنة قائمة على العدالة والثقة، لا الاكتفاء بالمشاريع الاقتصادية والتجارية.

احتقان متصاعد ومشهد منقسم

ومع توافد المعتصمين إلى الساحة المقابلة لمبنى البرلمان، تجمعت مجموعة من مؤيدي الحكومة المؤقتة في المكان ذاته، لتتحول الساحة إلى مشهد يعكس حجم الانقسام السياسي والاجتماعي المتنامي.

وشهد المكان مشادات كلامية بين الطرفين، فيما أثار مقطع مصور موجة انتقادات واسعة بعد ظهور أحد المشاركين في التجمع المؤيد للحكومة وهو يوجه عبارات ساخرة إلى سيدة مسنة كانت تطالب بتحسين الظروف المعيشية، قائلاً: “بدكن كهرباء يا جوعانين؟!”، في مشهد اعتبره ناشطون مؤشراً على تراجع لغة الحوار وتصاعد خطاب التخوين والاستخفاف بالمطالب الشعبية.

اتهامات بازدواجية المعايير

وبحسب مصادر محلية، أبلغت الجهات الأمنية المشاركين في التجمعين بضرورة فض الاعتصامات خلال مهلة محددة، مع التلويح بالاعتقال في حال الاستمرار. إلا أن بعض المعتصمين أبدوا اعتراضهم على طريقة تعامل السلطات مع الطرفين، متهمين الحكومة المؤقتة بازدواجية المعايير وعدم ضمان حق التعبير السلمي بصورة متساوية.

كما دارت نقاشات حادة بين المشاركين وعناصر الأمن، في ظل تساؤلات حول حدود الحريات العامة وآليات التعامل مع الحراك المدني، خاصة أن الوقفة جاءت في إطار مطالب اجتماعية واقتصادية وقانونية، بعيداً عن الدعوات إلى العنف أو التصعيد.

أزمة ثقة تتعمق

ويعكس اعتصام “قانون وكرامة” اتساع الفجوة بين قطاعات من المجتمع السوري والحكومة المؤقتة، في ظل تصاعد الانتقادات المتعلقة بتردي الأوضاع المعيشية واستمرار الفساد وضعف الخدمات، إلى جانب غياب خطوات ملموسة في ملفات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

ويرى مراقبون أن التعامل مع المطالب الشعبية بوصفها تهديداً أو التقليل من شأنها قد يزيد من حالة الاحتقان، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، وهي ملفات باتت تشكل أولوية بالنسبة لكثير من السوريين أكثر من المشاريع الاستثمارية أو الخطابات السياسية.

اختبار للحكومة المؤقتة

ويضع هذا الحراك المدني الحكومة المؤقتة أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرتها على استيعاب الأصوات المنتقدة والتعامل مع المطالب الشعبية بمنطق الحوار والإصلاح، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات أو الاعتماد على الخطاب التعبوي.

ففي بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسامات، تبدو مطالب “القانون والكرامة” بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين، عنواناً لمرحلة جديدة يأملون أن تقوم على المواطنة والعدالة والشفافية، لا على إعادة إنتاج أنماط الحكم التي ثاروا عليها في السابق، وهو ما عبّر عنه المعتصمون بوضوح عبر تأكيدهم رفض عودة الاستبداد بأي شكل من الأشكال، والمطالبة بدولة تحترم حقوق مواطنيها وتستجيب لمعاناتهم اليومية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى