أزمـ ـة المسـ ـلحين الأجـ ـانب تتفـ ـاقم في سوريا.. أوزبك يرفـ ـضون أوامر دمشق ويتمسكون بسـ ـلاحـ ـهم

توتر متصاعد بين الحكومة المؤقتة والمجموعات الأجنبية المسلحة وسط مخاوف من تمرد وانسحابات جماعية

تشهد الساحة السورية أزمـ ـة أمـ ـنـ ـية وسياسية متصاعدة مع تصاعد الخـ ـلاف بين الحكومة المؤقتة والمسلـ ـحين الأجانب، وفي مقدمتهم المسلـ ـحون الأوزبك، الذين أعلنوا رفـ ـضـ ـهم الاندماج في صفوف وزارة الدفاع وتمسكهم باستقلالهم العسـ ـكري، في تطور يضـ ـع السلـ ـطات الجديدة أمام أحد أكثر الملـ ـفات تعقيداً منذ سقـ ـوط نظـ ـام بشار الأسد.

رفض صريح للاندماج

وأعلن تجمع المسلحين الأوزبك، في بيان صدر في السادس من حزيران الجاري، رفضه القاطع الانضمام إلى وزارة الدفاع لدى الحكومة المؤقتة أو الاندماج ضمن “الفرقة 84” التابعة للجيش السوري، ملوحاً بالانسحاب من التشكيلات العسكرية التي سبق أن التحق بها بعض عناصره.

وجاء البيان عقب جهود وساطة قادها عبد الحميد السحاري، موفد الرئيس المؤقت أحمد الشرع، الذي طالب المسلحين الأوزبك بالانخراط ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية، مع التلويح باتخاذ إجراءات قانونية بحق الرافضين، بينها الاعتقال والتوقيف.

لكن المسلحين الأوزبك أكدوا تمسكهم باستقلالهم، معتبرين أن أهداف وجودهم في سوريا انتهت بسقوط نظام الأسد، وأنهم لا يرغبون في العودة إلى القتال تحت أي راية جديدة.

اغتيال قيادي شيشاني يفاقم التوتر

وتزامن تصاعد الأزمة مع اغتيال القيادي الشيشاني المعروف باسم “مصطفى الروسي”، أحد عناصر “العصائب الحمراء” المنتسبين إلى وزارة الدفاع، إثر هجوم استهدفه قرب إدلب، في حادثة زادت من حدة التوترات الأمنية وأثارت تساؤلات حول طبيعة الصراعات المتشابكة بين الفصائل الأجنبية.

من السلاح إلى الحياة المدنية

وكشف بيان المسلحين الأوزبك أن عدداً كبيراً منهم تخلى بالفعل عن العمل العسكري منذ نهاية عام 2024، واتجه إلى ممارسة أنشطة مدنية مثل التجارة والزراعة وتربية المواشي، بينما التحق آخرون بالمدارس والجامعات السورية.

وأكد البيان أن المسلحين الأجانب يرفضون إجبارهم على العودة إلى العمل المسلح، مشيرين إلى أن التهديدات التي تعرضوا لها شملت اتهامهم بالانتماء لتنظيم “داعش” والتلويح بتسليمهم إلى السلطات الأوزبكية.

اشتباكات واعتقالات متكررة

وتعود جذور الأزمة إلى سلسلة من الاحتكاكات الأمنية التي بدأت تتصاعد منذ أواخر عام 2025، عندما شرعت السلطات الجديدة في فرض قيود على نشاط الفصائل الأجنبية ومنعها من الظهور الإعلامي أو العمل بشكل مستقل.

وفي تشرين الأول من العام نفسه، اعتقلت قوات الأمن العام القيادي “أبو إسلام الأوزبكي” بتهم تتعلق بالتحريض ضد الدولة وموالاة تنظيم “داعش”، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة بين المسلحين الأوزبك.

كما شهدت إدلب خلال الأشهر الماضية عدة حوادث تبادل لإطلاق النار خلال حملات أمنية استهدفت مسلحين أجانب، وسط تدخل وجهاء وقادة عسكريين لاحتواء التوتر ومنع تفاقمه.

انتشار على الحدود السورية اللبنانية

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد رصد في شباط الماضي انتشار مجموعات أوزبكية في مدينة القصير بريف حمص قرب الحدود اللبنانية، عقب انتهاء دورة تدريبية في معسكر النبك، ما عكس تحولاً في خريطة انتشار هذه المجموعات.

ويقدر عدد المسلحين الأوزبك في سوريا بنحو 1500 عنصر، يتمركز معظمهم في كفريا والفوعة وجسر الشغور ومناطق ريف إدلب الغربي، فيما يرتفع العدد إلى ما بين 2500 و5000 شخص عند احتساب أفراد عائلاتهم.

إرث طويل من التنظيمات الجهادية

ومنذ عام 2013، نشط المسلحون الأوزبك ضمن تشكيلات عدة، أبرزها “كتيبة التوحيد والجهاد” و”جماعة الإمام البخاري”، التي قاتلت إلى جانب “جبهة النصرة”.

وتصنف بعض هذه الفصائل على قوائم الإرهاب الأميركية والدولية، ما يجعل استمرار وجودها المسلح تحدياً كبيراً أمام الحكومة المؤقتة.

ضغوط دولية وحسابات داخلية

وتواجه الحكومة المؤقتة ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي، الذي يربط استكمال رفع العقوبات وشطب سوريا من قوائم الدول الراعية للإرهاب بإثبات قدرتها على تفكيك البنى العسكرية غير النظامية وإنهاء وجود الفصائل المصنفة إرهابية.

ولكن في المقابل، تخشى السلطات من أن يؤدي الضغط المفرط إلى تمرد المسلحين الأجانب أو انتقالهم إلى العمل السري، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الفوضى الأمنية.

اختبار صعب لدمشق

وتكشف الأزمة الحالية حجم التحديات التي تواجهها الحكومة المؤقتة في مرحلة ما بعد الأسد، إذ لم يعد الصراع مقتصراً على إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل بات يشمل التعامل مع إرث سنوات الحرب الطويلة والفصائل العابرة للحدود التي تمتلك عقائدها وشبكاتها الخاصة.

ومع تمسك المسلحين الأوزبك باستقلالهم ورفضهم العودة إلى القتال تحت راية الدولة، تبدو دمشق أمام اختبار حساس بين فرض سيادة القانون وتجنب انفجار أمني جديد قد يعيد إنتاج مشاهد الفوضى التي تسعى البلاد إلى تجاوزها.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى