تأجيل حسم قضـ ـية “الشعب الجمهوري” يربـ ـك المعارضة التركية… هل يفتح أوزيل الطريق أمام حزب جديد؟

يشهد المشهد السياسي التركي تطورات متسارعة بعد قرار محكمة النقـ ـض تأجيل النظر في قضية “البطـ ـلان المطلق” للمؤتمر العام الثامن والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، إلى شهر أيلول المقبل، وهو قرار وضع رئيس الحزب المنتخب أوزغور أوزيل أمام خيارات سياسية معقدة، أبرزها المضي في تأسيس حزب جديد إذا استمر تعـ ـطيل عودته إلى قيادة الحزب.

ويأتي التأجيل في وقت تخوض فيه المعارضة التركية واحدة من أكثر أزمـ ـاتها حساسية منذ الانتخابات المحلية عام 2024، التي حقق فيها حزب الشعب الجمهوري تقدماً غير مسبوق، ما جعل الصـ ـراع الداخلي داخل الحزب يتداخل مع المعركة السياسية الأوسع ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم.

تأجيل يمنح الأزمة مزيداً من التعقيد

وكان من المنتظر أن تبت محكمة النقض في قرار محكمة الاستئناف الإقليمية في أنقرة، الصادر في أيار الماضي، والقاضي ببطلان المؤتمر العام الذي انتُخب خلاله أوزيل رئيساً للحزب في تشرين الثاني 2023، وإعادة الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو إلى قيادة الحزب بصورة مؤقتة.

إلا أن إحالة الملف إلى محكمة النقض جاءت قبل يوم عمل واحد فقط من بدء العطلة القضائية، الأمر الذي أدى عملياً إلى تأجيل النظر فيه حتى استئناف العمل القضائي في أيلول المقبل، وهو ما اعتبرته قيادات المعارضة تأخيراً يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه إجراءً قانونياً.

ويرى معارضون أن استمرار حالة الغموض القانونية قد ينعكس سلباً على استعدادات الحزب للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، خصوصاً الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة عام 2028.

أوزيل بين استعادة الحزب أو تأسيس بديل

أمام استمرار تجميد وضعه القانوني، بات أوزيل يلوح بخيار تأسيس حزب سياسي جديد، مع تأكيده في الوقت ذاته أن الأولوية لا تزال لاستعادة حزب الشعب الجمهوري.

وكان أوزيل قد اختصر موقفه بالقول إن الخيارات تنحصر بين “استعادة الحزب أو سلوك طريق جديد”، في إشارة فسرها كثيرون بأنها تمهيد لاحتمال إطلاق كيان سياسي جديد إذا استمرت الأزمة القضائية.

ومن المنتظر أن يعقد أوزيل سلسلة اجتماعات مع الكتلة البرلمانية للحزب ورؤساء الفروع والهيئات القيادية لبحث السيناريوهات المطروحة ورسم خريطة المرحلة المقبلة.

خطة بديلة قيد الإعداد

وبحسب معطيات متداولة داخل أوساط المعارضة، يعمل فريق أوزيل على مسارين متوازيين.

المسار الأول يقوم على تأسيس حزب جديد بشكل دائم في حال تثبيت قرار بطلان المؤتمر العام.

أما المسار الثاني، فيقوم على إنشاء حزب مؤقت يكون بمثابة مظلة سياسية تحفظ وحدة التيار المعارض إلى حين صدور القرار النهائي من القضاء.

وتشير التقديرات إلى أن أوزيل لن ينقل جميع نواب حزب الشعب الجمهوري إلى الحزب الجديد دفعة واحدة، بل سيكتفي بمجموعة برلمانية كبيرة تضمن له قيادة المعارضة داخل البرلمان، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام عودة الجميع إلى الحزب الأصلي إذا جاء حكم محكمة النقض لصالحه.

كما تتحدث المصادر عن أن رؤساء البلديات المنتخبين باسم حزب الشعب الجمهوري لن ينتقلوا فوراً إلى الحزب الجديد، بانتظار اتضاح المسار القضائي النهائي.

كليتشدار أوغلو يتمسك بموقفه

وفي المقابل، لا يزال الرئيس السابق للحزب كمال كليتشدار أوغلو يرفض الدعوات المطالبة بعقد مؤتمر استثنائي جديد، مستنداً إلى الإجراءات الاحترازية التي فرضتها المحكمة، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة الداخلية ويمنع الوصول إلى تسوية تنظيمية داخل الحزب.

وتتهم قيادة أوزيل خصومها داخل الحزب باستغلال المسار القضائي لإطالة أمد الأزمة وإضعاف المعارضة في مرحلة سياسية حساسة.

استطلاعات تمنح أوزيل دفعة قوية

ورغم الأزمة التنظيمية، تكشف أحدث استطلاعات الرأي عن استمرار الشعبية المرتفعة لأوزيل. فوفق استطلاع أجرته مؤسسات بحثية تركية بالتعاون مع مؤسسة ألمانية، فإن الحزب الذي قد يؤسسه أوزيل سيتصدر نتائج الانتخابات إذا أجريت اليوم، بحصوله على نحو 35.6% من الأصوات، متقدماً على حزب العدالة والتنمية الذي حل ثانياً بنسبة 27.8%.

وفي المقابل، أظهر الاستطلاع تراجعاً كبيراً لشعبية حزب الشعب الجمهوري إذا بقي تحت قيادة كمال كليتشدار أوغلو، إذ لم تتجاوز نسبة التأييد له 5.1%، وهو ما يعكس حجم الانقسام داخل القاعدة الانتخابية للحزب.

أزمة تتجاوز الخلاف التنظيمي

وتعكس الأزمة الحالية أكثر من مجرد خلاف على رئاسة أكبر أحزاب المعارضة، إذ ترتبط مباشرة بإعادة تشكيل التوازنات السياسية في تركيا قبل انتخابات 2028. فإذا مضى أوزيل في تأسيس حزب جديد، فإن البلاد قد تشهد ولادة أكبر قوة معارضة جديدة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما قد يعيد رسم الخريطة الحزبية التركية بالكامل.

أما إذا نجحت محكمة النقض في إنهاء الأزمة وإعادة الشرعية لقيادة أوزيل، فقد يتمكن حزب الشعب الجمهوري من استعادة تماسكه والدخول إلى الانتخابات المقبلة بصفوف موحدة، مستفيداً من الزخم الشعبي الذي حققه خلال العامين الماضيين.

وبين هذين السيناريوهين، تبقى الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل المعارضة التركية، وما إذا كانت ستواصل مسيرتها تحت راية حزبها التاريخي، أم ستدخل مرحلة جديدة بقيادة كيان سياسي مختلف.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى