انشـ ـقاق تاريخي يهـ ـز المعارضة التركية… أوزيل يسرّع إطلاق حزبه الجديد

تشهد الساحة السياسية التركية تحولاً غير مسبوق داخل صفوف المعارضة، بعدما دخل رئيس حزب الشعب الجمهوري المستقيل أوزغور أوزيل المرحلة الأخيرة قبل الإعلان الرسمي عن حزبه الجديد، في خطوة جاءت عقب الأزمـ ـة القضـ ـائية التي أطـ ـاحت بقيادته للحزب، وأطلقت موجة واسعة من الاستقالات والانشـ ـقاقات داخل أكبر أحزاب المعارضة التركية.

ويُنظر إلى هذه التطورات على أنها واحدة من أكبر الهزات التي يتعرض لها حزب الشعب الجمهوري منذ تأسيسه قبل أكثر من قرن، إذ تهـ ـدد بإعادة رسم خريطة المعارضة داخل البرلمان التركي، وربما تغيير موازين المنافسة السياسية خلال السنوات المقبلة.

أزمة قضائية فجّرت الانقسام

وبدأت الأزمة عندما أصدرت محكمة الاستئناف في أنقرة حكماً يقضي بـ”البطلان المطلق” للمؤتمر العام الثامن والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري، الذي انتُخب خلاله أوزيل رئيساً للحزب في أواخر عام 2023 خلفاً لكمال كليتشدار أوغلو.

ورغم أن أنصار أوزيل كانوا يعولون على تدخل محكمة النقض لإلغاء الحكم، فإن قرار تأجيل النظر في القضية حتى بداية العام القضائي الجديد في أيلول المقبل دفع أوزيل إلى التخلي عن انتظار المسار القضائي، والانتقال إلى خيار تأسيس حزب جديد يكون قاعدة سياسية مستقلة له ولأنصاره.

ويهدف هذا التحرك إلى تجاوز حالة الجمود القانوني التي فرضتها القضية، وضمان استمرار الكتلة المعارضة تحت قيادة أوزيل بعيداً عن الصراع القضائي الدائر داخل الحزب الأم.

انتقال جماعي للنواب

التحرك لم يقتصر على أوزيل وحده، إذ أعلن فريقه قائمة مؤسسي الحزب الجديد، والتي ضمت 86 نائباً من البرلمان التركي قدموا استقالاتهم من الشعب الجمهوري.

وتشير التقديرات إلى أن عدد النواب المنضمين قد يرتفع إلى نحو 95 نائباً بعد الإعلان الرسمي، وهو رقم كافٍ لجعل الحزب الجديد يتصدر صفوف المعارضة داخل البرلمان، بينما سيتراجع حزب الشعب الجمهوري إلى مرتبة متأخرة مقارنة بما كان عليه طوال العقود الماضية.

ويعني ذلك عملياً انتقال مركز الثقل السياسي للمعارضة من الحزب التاريخي إلى كيان سياسي جديد يقوده أوزيل، في واحدة من أكبر عمليات إعادة الاصطفاف السياسي في تركيا.

استعدادات للإعلان الرسمي

وخلال اليومين الماضيين، عقد أوزيل سلسلة اجتماعات مكثفة مع النواب المستقيلين، ورؤساء فروع الحزب في عشرات الولايات التركية، إضافة إلى أعضاء المجلس المركزي واللجنة التنفيذية السابقين الذين أعلنوا استقالتهم تضامناً معه.

وبحسب مصادر مقربة من فريقه، فإن جميع الإجراءات القانونية الخاصة بتأسيس الحزب أوشكت على الانتهاء، مع توقع الإعلان الرسمي عن الاسم والشعار والقيادة خلال الأيام القليلة المقبلة.

وأكد أوزيل للصحفيين أن موعد الإعلان بات “قريباً جداً”، مشيراً إلى أن الحزب الجديد سيكون موجوداً تنظيمياً في جميع الولايات والأحياء والقرى التركية منذ يومه الأول.

استقالات واسعة داخل الحزب

بالتوازي مع هذه التحركات، يعيش حزب الشعب الجمهوري نزيفاً تنظيمياً غير مسبوق، مع استمرار استقالات أعضاء الحزب وقياداته المحلية.

وتربط مصادر داخل الحزب هذه الاستقالات برفض قطاع واسع من القواعد الحزبية عودة كمال كليتشدار أوغلو إلى إدارة الحزب بموجب الحكم القضائي، معتبرين أن ذلك يتجاهل نتائج المؤتمر العام وإرادة الأعضاء الذين انتخبوا أوزيل.

ويُتوقع أن تستمر موجة الاستقالات خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا نجح الحزب الجديد في استقطاب المزيد من النواب ورؤساء البلديات والكوادر التنظيمية.

موقف كليتشدار أوغلو

في المقابل، حاول كمال كليتشدار أوغلو احتواء الأزمة وتجنب التصعيد مع أوزيل، مؤكداً أن الحزب لن يهاجم المنشقين، وأن الأولوية يجب أن تبقى لمواجهة الحكومة وليس لخوض صراع داخلي داخل المعارضة.

ويُفسر هذا الموقف على أنه محاولة للحفاظ على ما تبقى من وحدة القاعدة الانتخابية المعارضة، وتجنب انقسام قد يصب في مصلحة حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال الاستحقاقات المقبلة.

انعكاسات على المشهد السياسي

ويرى مراقبون أن تأسيس الحزب الجديد لن يكون مجرد انشقاق تنظيمي، بل سيؤدي إلى إعادة ترتيب المعارضة التركية بالكامل. فانتقال عشرات النواب سيغير موازين القوى داخل البرلمان، ويؤثر على تشكيل اللجان البرلمانية وتوزيع المناصب، كما سيمنح الحزب الجديد صفة أكبر قوة معارضة إذا اكتمل انتقال النواب كما هو مخطط.

كما أن هذه التطورات قد تؤثر على استعدادات المعارضة للانتخابات المقبلة، سواء البرلمانية أو الرئاسية، في ظل محاولة أوزيل تقديم نفسه بديلاً سياسياً قادراً على توحيد القوى المناهضة للحكومة تحت مظلة جديدة.

اعتقال صحفي يثير الجدل

بالتزامن مع الأزمة السياسية، أعادت السلطات التركية اعتقال مراسل قناة “دويتشه فيله” الألمانية في أنقرة، علي جان أولوداغ، بعد أشهر من الإفراج عنه.

ووفقاً لمحاميه، جاء الاعتقال على خلفية منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيه النظام القضائي التركي، بينما قالت النيابة العامة إن المنشور يتضمن تحريضاً على الكراهية ونشر معلومات مضللة.

وتأتي هذه القضية في وقت تتواصل فيه الانتقادات الموجهة إلى السلطات التركية بشأن حرية الصحافة والتعامل مع الصحفيين والناشطين، بالتزامن مع التوترات السياسية التي تشهدها البلاد.

 

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى