حزب أوزيل الجديد يرسم ملامحه السياسية… تحدٍ مباشر لإردوغان

رهان على إعادة تشكيل المعارضة التركية

دخلت المعارضة التركية مرحلة سياسية جديدة مع تسارع خطوات رئيس حزب الشعب الجمهوري السابق أوزغور أوزيل لترسيخ أركان حزبه الجديد، بعد الانقسام الذي ضرب أكبر أحزاب المعارضة. فبعد أيام من الإعلان عن تأسيس الحزب، انتقل أوزيل إلى مرحلة بناء الهياكل التنظيمية وإقرار البرنامج السياسي، في محاولة لإظهار أن المشروع الجديد ليس مجرد رد فعل على الأزمـ ـة القضائية التي أطـ ـاحت بقيادته لحزب الشعب الجمهوري، بل بداية لمسار سياسي يسعى إلى منافسة حزب العدالة والتنمية الحاكم على السلطة.

استكمال البنية التنظيمية

شهدت أنقرة اجتماعات مكثفة للحزب الجديد انتهت بانتخاب أوزيل رئيساً للحزب ورئيساً للمجموعة البرلمانية بالإجماع، إلى جانب تشكيل المجلس المركزي واللجنة التنفيذية العليا واختيار نواب رئيس الكتلة البرلمانية، في خطوة هدفت إلى استكمال البنية المؤسسية خلال فترة قصيرة.

وبالتوازي مع ذلك، زار أوزيل وأعضاء الحزب ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، في رسالة سياسية تؤكد تمسك الحزب بالإرث الكمالي ومحاولة استقطاب القاعدة التقليدية للتيار الجمهوري التي شعرت بالارتباك بعد الأزمة التي عصفت بحزب الشعب الجمهوري.

وأكد أوزيل أن حزبه سيواصل الدفاع عن المبادئ التي قامت عليها الجمهورية التركية، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثل بداية “مسيرة جديدة نحو السلطة”.

أزمة التمويل

ويواجه الحزب الجديد تحدياً مالياً كبيراً، إذ لن يكون مؤهلاً للحصول على التمويل الحكومي المخصص للأحزاب إلا بعد مشاركته في أول انتخابات عامة.

ولهذا بدأ الحزب اتخاذ الإجراءات القانونية لفتح باب التبرعات وتأمين مصادر تمويل مستقلة تضمن استمرار نشاطه التنظيمي والسياسي.

وفي تطور لافت، دعا رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي إلى تقاسم الدعم المالي الذي حصل عليه حزب الشعب الجمهوري بعد انتخابات 2023 مع الحزب الجديد، استناداً إلى انتقال غالبية نواب المعارضة إليه.

وأثار هذا المقترح اعتراضاً شديداً داخل قيادة حزب الشعب الجمهوري الحالية برئاسة كمال كليتشدار أوغلو، التي اعتبرت أن الأموال تعود للحزب الأصلي وليس للمنشقين عنه.

برنامج سياسي شامل

وأصدر الحزب الجديد وثيقة سياسية تضمنت خمسة محاور رئيسية شملت الإصلاح الديمقراطي، والاقتصاد، والسياسة الاجتماعية، والسياسة الخارجية، والأمن.

ويقدم البرنامج نفسه باعتباره مشروعاً لتغيير النظام السياسي القائم، منتقداً ما وصفه بتركيز السلطات بيد السلطة التنفيذية، وداعياً إلى العودة للنظام البرلماني الذي يمنح البرلمان صلاحيات أوسع في الرقابة والتشريع.

كما يدعو البرنامج إلى تعزيز استقلال القضاء. وتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية. وضمان الشفافية في تمويل الحياة السياسية. وسن قانون لأخلاقيات العمل السياسي. وتعزيز مشاركة النساء والشباب في المؤسسات المنتخبة.

ويرى الحزب أن هذه الإصلاحات تمثل مدخلاً لإعادة بناء المؤسسات الديمقراطية التي يعتبر أنها تعرضت للتراجع خلال السنوات الماضية.

رؤية للقضية الكوردية

وخصص البرنامج حيزاً للقضية الكوردية، مؤكداً ضرورة التوصل إلى حل سياسي يقوم على المساواة بين المواطنين، مع الحفاظ على وحدة الدولة التركية.

ودعا إلى ضمان حقوق استخدام اللغات الأم، وتنفيذ مشاريع تنموية في مناطق جنوب شرقي تركيا (كوردستان تركيا)، مع التأكيد في الوقت نفسه على إنهاء العنف والإرهاب بوصفه شرطاً لتحقيق تسوية مستدامة.

ويأتي هذا الطرح بالتزامن مع استمرار التحركات السياسية المتعلقة بـ”عملية السلام”، التي تشهد في الوقت نفسه تسارعاً لإعداد إطار قانوني ينظمها.

انفتاح واضح على الغرب

وأبرز ما يميز برنامج الحزب الجديد هو تركيزه على إعادة توجيه السياسة الخارجية التركية نحو الغرب.

فقد أعلن الحزب عزمه تسريع مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتعزيز التعاون مع حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتنشيط دور تركيا داخل المؤسسات الأوروبية. والعودة إلى اتفاقية إسطنبول الخاصة بمكافحة العنف ضد المرأة.

وفي المقابل، شدد البرنامج على استمرار العلاقات مع روسيا والصين، ولكن ضمن سياسة توازن لا تجعل تركيا بعيدة عن التحالفات الغربية التقليدية.

عملية السلام تتقدم بالتوازي

وتزامناً مع ولادة الحزب الجديد، تتواصل أيضاً التحركات الخاصة بالإطار القانوني لعملية السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.

وتكثف الأحزاب السياسية والحكومة مشاوراتها لإعداد التشريعات التي تنظم المرحلة المقبلة، والتي تشمل ملفات نزع السلاح والترتيبات القانونية والسياسية المرتبطة بالعملية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه العملية قد ينعكس مباشرة على المشهد السياسي التركي، خصوصاً إذا ساهم في تخفيف التوترات الأمنية التي هيمنت على الحياة السياسية طوال السنوات الماضية.

تحديات أمام الحزب الجديد

ورغم الزخم الذي رافق تأسيس الحزب، إلا أن نجاحه لا يزال مرهوناً بعدة عوامل، أبرزها قدرته على الحفاظ على تماسك الكتلة البرلمانية الكبيرة التي انتقلت إليه، واستقطاب القواعد الشعبية لحزب الشعب الجمهوري، إلى جانب بناء تنظيم حزبي فعّال في مختلف الولايات التركية.

كما سيواجه الحزب اختباراً مهماً في كيفية تحويل برنامجه الإصلاحي إلى مشروع سياسي قادر على منافسة تحالف “الجمهور” الحاكم بقيادة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في ظل بيئة سياسية وقضائية معقدة واستقطاب حاد يطبع الحياة السياسية التركية.

وبذلك، تبدو المعارضة التركية أمام مرحلة إعادة تشكل غير مسبوقة، قد تعيد رسم موازين القوى قبل الانتخابات المقبلة، سواء نجح الحزب الجديد في ترسيخ نفسه كقائد للمعارضة، أو أدى الانقسام إلى إضعافها في مواجهة السلطة الحاكمة.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى