فضـ ـيحة “الكومبارس” تعمّق انقسام المعارضة التركية… والحزب الجديد يواصل تثبيت موقعه

دخلت الأزمـ ـة التي يعيشها حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية تاريخياً، مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أثار الكشف عن الاستعانة بمئات الأشخاص بصفة “كومبارس” خلال فعالية نظمها الرئيس المؤقت للحزب كمال كليتشدار أوغلو جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً، في وقت يواصل فيه أوزغور أوزيل تثبيت أركان الحزب الجديد الذي أسسه عقب انشـ ـقاقه عن الحزب الأم، وسط استمرار تداعيات الأزمـ ـة القـ ـضائية التي عصـ ـفت بقيادة المعارضة.

الاستعانة بـ”الكومبارس”

واندلعت موجة واسعة من الجدل عقب نشر الصحافية التركية إبرو تشيليك تقريراً قالت فيه إن فعالية أقيمت في إسطنبول بحضور كمال كليتشدار أوغلو شهدت الاستعانة بمئات الأشخاص عبر وكالات إنتاج فني، بعدما جرى استقدامهم مقابل أجر بلغ 950 ليرة تركية للفرد، تحت ذريعة المشاركة في عمل سينمائي.

وبحسب رواية تشيليك، فقد نُقل المشاركون بواسطة عشرات الحافلات إلى قاعة الاحتفال، حيث طُلب منهم قبل بدء المناسبة ترديد شعارات داعمة لكليتشدار أوغلو والتصفيق والهتاف أثناء إلقائه كلمته، كما وزعت على عدد منهم سترات خاصة بشبيبة الحزب لإظهار حضور جماهيري منظم خلال الفعالية.

وأضافت أن غالبية المشاركين لم يكونوا أعضاء في الحزب أو من مؤيدي كليتشدار أوغلو، بل ضمت المجموعة مهاجرين ولاجئين ومتقاعدين وعاطلين عن العمل وأشخاصاً استجابوا للإعلان بغرض الحصول على المقابل المالي فقط، مشيرة إلى أن بعضهم أبلغها بأنه من أنصار رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو وليس من مؤيدي القيادة الحالية للحزب.

وأرفقت الصحافية تقريرها بصورة التقطتها من داخل القاعة، مؤكدة أنها شاركت بنفسها في الفعالية بهدف التحقق من المعلومات، وهو ما أدى إلى انتشار واسع للقضية عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتتصدر اسمها قوائم البحث في تركيا خلال ساعات.

الحزب بين النفي والتحقيق

وأمام اتساع الجدل، اضطر حزب الشعب الجمهوري إلى التعليق على القضية، حيث قال المتحدث باسم الحزب مسلم صاري إن الادعاءات ستخضع للتقييم إذا ثبتت صحتها، دون تقديم نفي قاطع لما ورد في التقرير.

وفي المقابل، اختار رئيس فرع الحزب في إسطنبول غورسال تكين التصعيد القانوني، فتقدم بشكوى جنائية ضد الصحافية إبرو تشيليك، إلى جانب مسؤولين في صحيفة “بيرغون” المعارضة ومراسل قناة “سوزجو”، متهماً إياهم بنشر معلومات مضللة، ومطالباً بفتح تحقيق استناداً إلى قانون مكافحة التضليل الإعلامي.

غير أن هذه الخطوة قوبلت بانتقادات من الأوساط الصحافية، إذ اعتبرت رابطة الصحافيين الأتراك المعاصرين أن اللجوء إلى الملاحقات القضائية ضد الصحافيين يمثل تهديداً لحرية الإعلام، مؤكدة أن الرد على أي تحقيق صحافي يجب أن يكون عبر تقديم الأدلة والوثائق، وليس من خلال الشكاوى الجنائية.

أزمة تعكس عمق الانقسام

وتأتي هذه القضية في وقت يمر فيه حزب الشعب الجمهوري بأكبر انقسام داخلي في تاريخه الحديث، بعدما أفضى قرار قضائي بإبطال المؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب إلى عودة كمال كليتشدار أوغلو لإدارته بصورة مؤقتة، وهو القرار الذي رفضه أوزغور أوزيل ومعظم قيادات الحزب المنتخبة.

وردّ أوزيل على التطورات بإعلان استقالته من الحزب وتأسيس كيان سياسي جديد، اصطحب معه غالبية النواب والقيادات المحلية، ليصبح الحزب الجديد القوة الرئيسية للمعارضة داخل البرلمان التركي، بينما تراجع حزب الشعب الجمهوري إلى المرتبة الخامسة في البرلمان.

ويرى مراقبون أن الجدل حول فعالية إسطنبول لا ينفصل عن الصراع على الشرعية داخل المعارضة، إذ يسعى كل طرف إلى إثبات امتلاكه القاعدة الشعبية والتنظيمية، في وقت تحولت فيه المعركة من الخلافات القانونية إلى منافسة على صورة الحزب أمام الرأي العام.

الرئاسة التركية تقلل من أهمية الانقسام

وفي المقابل، استغلت الرئاسة التركية الانقسام المتواصل داخل المعارضة للتقليل من تأثيره السياسي، حيث وصف كبير مستشاري الرئيس رجب طيب إردوغان للشؤون القانونية، محمد أوتشوم، الخلاف بين الحزبين بأنه “ثرثرة سياسية”، معتبراً أن الانشقاق لا يقوم على اختلافات فكرية أو برامج سياسية، وإنما يرتبط بخلافات شخصية بين القيادات.

وأشار أوتشوم إلى أن حزب الشعب الجمهوري شهد انشقاقات عديدة عبر تاريخه، إلا أن معظمها لم يغيّر موازين الحياة السياسية التركية، مستبعداً أن يشكل الحزب الجديد تحولاً جذرياً في المشهد السياسي، رغم الحجم الكبير للنواب والكوادر الذين انتقلوا إليه.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى