بعد 12 عاماً على إبادة شنكال.. مسؤولية أممية معلقة ومطالب بمحاسبة الجناة وإنصاف الإيزيديين

بعد مرور اثني عشر عاماً على الهجوم الذي شنه تنظيم “داعش” على قضاء شنكال (سنجار) في الثالث من آب/أغسطس 2014، ما تزال قضية الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون تمثل اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي، ليس فقط من حيث الاعتراف بالجريمة، بل أيضاً في ما يتعلق بمحاسبة المسؤولين عنها، وتأمين العدالة للضحايا، وضمان عدم تكرارها، وسط استمرار التهديدات الأمنية والانقسامات السياسية التي تعرقل استقرار المنطقة.
ورغم اعتراف الأمم المتحدة وعدد من البرلمانات والدول بأن ما جرى للإيزيديين يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، فإن آلاف العائلات الإيزيدية ترى أن العدالة لا تزال بعيدة المنال، في ظل محدودية المحاكمات، واستمرار فقدان آلاف المختطفين، وتأخر عمليات إعادة الإعمار وعودة النازحين.
مسؤولية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
يشير مختصون في القانون الدولي إلى أن الاعتراف بالإبادة الجماعية لا يكتمل بمجرد إصدار البيانات أو القرارات، بل يستوجب اتخاذ خطوات عملية تشمل ملاحقة جميع المسؤولين عن الجرائم، وتعويض الضحايا، وضمان الحماية المستدامة للمجتمع الإيزيدي.
ورغم إنشاء فريق التحقيق الأممي لتعزيز المساءلة عن جرائم “داعش” (UNITAD)، فإن إنهاء مهمته دون إنشاء آلية قضائية دولية خاصة أثار مخاوف من ضياع جزء من جهود المحاسبة، خصوصاً مع محدودية استخدام الأدلة في محاكمات دولية تتعلق بجريمة الإبادة الجماعية.
العدالة لا تقتصر على محاكمة “داعش”
يرى حقوقيون أن تحقيق العدالة يتطلب أيضاً التحقيق في الظروف التي سمحت بوقوع المجزرة، والكشف عن جميع الجهات التي قدمت دعماً أو تسهيلات للتنظيم، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إذا ثبت ذلك وفق معايير التحقيق القضائي الدولي.
ويؤكد خبراء أن مبدأ عدم الإفلات من العقاب يفرض ملاحقة كل من يثبت تورطه في التخطيط أو التمويل أو التسهيل أو الدعم اللوجستي للجريمة، بغض النظر عن صفته أو موقعه.
اتهامات متواصلة لتركيا
بالتوازي مع المطالب بمحاسبة تنظيم “داعش”، تستمر منظمات وناشطون إيزيديون في توجيه اتهامات إلى تركيا بشأن دورها خلال فترة صعود التنظيم، مستندين إلى تقارير إعلامية وشهادات وتحليلات تحدثت عن وجود تسهيلات استفاد منها مقاتلو “داعش” عبر الحدود السورية – التركية خلال السنوات الأولى من الحرب السورية.
وتشمل الاتهامات المتداولة غض الطرف عن حركة مقاتلي التنظيم عبر الحدود خلال فترات معينة، السماح بمرور إمدادات أو أفراد إلى المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم، وفق ما ورد في تقارير إعلامية وتحقيقات متعددة وعدم اتخاذ إجراءات كافية لمنع انتقال المقاتلين الأجانب إلى مناطق سيطرة “داعش” في سوريا والعراق خلال تلك المرحلة.
الغارات التركية بعد الإبادة
والمفارقة التي يثيرها أبناء شنكال باستمرار أن الطائرات التركية لم تكن حاضرة عندما اجتاح تنظيم “داعش” المنطقة وارتكب أبشع المجازر بحق الإيزيديين عام 2014، لكنها تحولت لاحقاً إلى استهداف القوى التي ساهمت في فتح ممرات النجاة وإنقاذ عشرات الآلاف من المدنيين. وتذهب شخصيات إيزيدية وكردية إلى اتهام أنقرة بالتساهل مع التنظيم خلال سنوات تمدده، بل وتقديم دعم غير مباشر ساعده على تعزيز نفوذه في المنطقة، قبل أن تصبح شنكال لاحقاً هدفاً لضربات جوية متكررة أعاقت الاستقرار وإعادة الإعمار.
حماية الإيزيديين مسؤولية مستمرة
بعد اثني عشر عاماً على الإبادة، لا يزال عشرات الآلاف من الإيزيديين يعيشون في مخيمات النزوح، فيما تواجه عملية إعادة الحياة إلى شنكال تحديات أمنية وسياسية وخدمية كبيرة.
ويرى مراقبون أن حماية المجتمع الإيزيدي لا تتحقق فقط بإحياء الذكرى السنوية للمجزرة، بل عبر التزام دولي طويل الأمد يضمن الأمن والعدالة والعودة الطوعية الكريمة، ويمنع استخدام شنكال ساحة للصراعات الإقليمية.
وفي ظل استمرار معاناة آلاف الأسر، يبقى مطلب الإيزيديين الأساسي هو الانتقال من مرحلة الإدانة والاعتراف إلى مرحلة العدالة الفعلية، عبر محاسبة جميع المسؤولين عن الجريمة، والكشف عن مصير المفقودين، وتأمين حماية دولية تحول دون تكرار واحدة من أبشع جرائم القرن الحادي والعشرين.



