تركيا في مواجـ ـهة إسرائيل من لبنان إلى سوريا.. لماذا تسعى أنقرة لمـ ـنع نـ ـزع سـ ـلاح حـ ـز..ب الله؟

لا تنظر الدولة التركية إلى التطورات المتسارعة في لبنان باعتبارها ملفاً منفصلاً عن حضورها الاستراتيجي في سوريا، بل تتعامل معها، وفق قراءة مصادر مطلعة، باعتبارها جزءاً من معـ ـركة أوسع على النفـ ـوذ تمتد من الأراضي السورية إلى لبنان وشرق المتوسط.

وبحسب المصادر المطلعة، فإن أنقرة ترى أن نجاح استراتيجيتها في سوريا لا يمكن فصله عن موازين القـ ـوى في لبنان. فوجود تركيا العسـ ـكري والأمـ ـني في سوريا يمنحها موقعاً متقدماً في المشرق، لكن هذا الموقع قد يصبح أكثر عـ ـرضة للضـ ـغط إذا نجحت إسرائيل في تثبيت واقـ ـع أمـ ـني وسياسي جديد في لبنان، بالتزامن مع تعزيز حضورها العسـ ـكري والاستراتيجي في قبرص واليونان.

ومن هذا المنطلق، ترى المصادر أن نجاح إسرائيل في لبنان، ولا سيما إذا ترافق مع نزع سلاح حزب الله وتثبيت ترتيبات أمنية جديدة بضمانة أميركية، قد يشكل تطوراً استراتيجياً خطيراً بالنسبة لأنقرة، لأنه قد يؤدي إلى تضييق المجال الجغرافي والسياسي أمام النفوذ التركي، وتحويل سوريا وشرق المتوسط إلى مساحة ضغط على تركيا بدلاً من أن تكونا مجالاً لتوسيع نفوذها.

لبنان بالنسبة لأنقرة.. امتداد للمعركة في سوريا

وتقوم القراءة التركية، وفق المصادر، على أن النفوذ لا يُقاس فقط بحجم القوات الموجودة على الأرض، وإنما بالقدرة على التحكم في مسارات الأمن والحدود والقوى المحلية التي تشكل موازين القوى في المنطقة.

ومن هنا تأتي أهمية الحدود السورية–اللبنانية. فالمصادر تحدثت عن انتشار عسكري وأمني تركي في عدد من النقاط والمعابر المقابلة للبنان، بينها جوسية بريف حمص الجنوبي، وتل كلخ، ومعبر الزمراني ومحيط الجراجير، إضافة إلى معبر الدبوسية.

ورغم أن العنوان المعلن لهذا الوجود يرتبط بمكافحة التهريب وضبط المعابر غير الشرعية ومنع انتقال الأسلحة إلى حزب الله، فإن المصادر المطلعة تقدم تفسيراً مختلفاً، مفاده أن أنقرة تستخدم هذا الملف لتثبيت وجودها كلاعب أساسي في الشريط الحدودي السوري–اللبناني، وتحويل الحدود إلى ورقة نفوذ في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.

وهنا تتضح أهمية لبنان في الحسابات التركية: فكلما ازداد نفوذ أنقرة على الجانب السوري من الحدود، أصبحت أكثر قدرة على التأثير في الملف اللبناني، وكلما فقدت القوى المتحالفة مع تركيا أو المتقاطعة معها هامش الحركة في لبنان، تقلصت في المقابل قدرة أنقرة على استخدام هذا الملف كورقة إقليمية.

“حارس الناتو” أم بوابة السلاح إلى حزب الله؟

السؤال الذي تطرحه المصادر هو: هل تسعى تركيا فعلاً إلى قطع طرق إمداد حزب الله، أم أنها تريد الإمساك بهذه الطرق واستخدامها كورقة نفوذ؟

وتشير المعطيات إلى أن الرواية الرسمية تقدم الوجود التركي على الحدود باعتباره جزءاً من جهود مكافحة تهريب الأسلحة وحماية الأمن الإقليمي، لكن المصادر المطلعة ترى أن الصورة أكثر تعقيداً.

وبحسب المصادر، فإن السيطرة على المعابر والممرات تمنح أنقرة قدرة استثنائية على معرفة حركة العبور والتحكم بها، وأن وجودها الميداني لا يعني بالضرورة رغبتها في إنهاء ملف السلاح بصورة نهائية، وإنما قد يكون وسيلة لإدارة هذا الملف بما يخدم مصالحها.

وتذهب المصادر أبعد من ذلك، إذ ترى أن تركيا تحاول الظهور أمام الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي باعتبارها قوة قادرة على مراقبة الحدود ومنع وصول السلاح إلى حزب الله، في الوقت الذي يمكنها فيه، استخدام نفوذها على الأرض للحفاظ على قنوات اتصال مع القوى التي تحتاج إليها في صراع النفوذ الإقليمي.

وبذلك تتحول قضية السلاح، من مشكلة أمنية بالنسبة لأنقرة إلى أداة استراتيجية يمكن استخدامها في التفاوض مع إسرائيل والولايات المتحدة وإيران والأطراف اللبنانية.

لماذا تخشى تركيا نجاح إسرائيل في لبنان؟

المسألة الأساسية، وفق المصادر، لا تتعلق بحزب الله وحده، وإنما بما سيحدث للمنطقة إذا نجحت إسرائيل في فرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في لبنان.

فإذا تمكنت إسرائيل من تثبيت واقع يقوم على إضعاف حزب الله ونزع سلاحه، وإحكام السيطرة الأمنية على جنوب لبنان، والحصول على ترتيبات دولية تضمن استمرار هذا الوضع، فإن ذلك سيمنحها نفوذاً إضافياً على الحدود الشمالية لإسرائيل، ويحد من قدرة القوى المناوئة لها على الحركة.

وهذا، وفق القراءة التي قدمتها المصادر، قد ينعكس مباشرة على سوريا. فتركيا تريد أن تبقى سوريا مجالاً استراتيجياً لنفوذها، بينما يؤدي تقليص نفوذ القوى المرتبطة بإيران في لبنان وسوريا إلى تغيير البيئة التي تتحرك فيها أنقرة. كما أن انتقال إسرائيل من الضغط العسكري في لبنان إلى بناء منظومة أمنية أوسع في المنطقة قد يضع القوات والمصالح التركية في سوريا أمام واقع أكثر صعوبة.

وتزداد حساسية هذا الأمر بالنسبة لأنقرة بسبب موقع قبرص واليونان في الحسابات الإسرائيلية والتركية بشرق المتوسط، إذ ترى المصادر أن تعزيز التعاون الإسرائيلي مع هذين الطرفين يضيف بعداً بحرياً إلى الصراع، بحيث لا يعود التنافس محصوراً في سوريا ولبنان.

اتفاق روما.. لماذا يمثل خطراً على الحسابات التركية؟

وتولي المصادر أهمية خاصة لـ”اتفاقية روما” بين لبنان وإسرائيل بضمانة أميركية، وترى أن نجاح هذا المسار قد يمثل نقطة تحول في المنطقة.

فالخطر، من وجهة النظر التي تطرحها المصادر، لا يكمن في الاتفاق بحد ذاته، وإنما في ما قد يترتب عليه إذا تحول إلى إطار دائم لإعادة تنظيم الوضع الأمني في لبنان.

وتشير التطورات الحالية إلى أن المحادثات الأميركية بين لبنان وإسرائيل تتناول بالفعل ترتيبات مرتبطة بنزع سلاح حزب الله وآليات التحقق منه، فيما لا تزال تفاصيل الآلية الدولية وصلاحياتها موضع تفاوض.

وبحسب القراءة التركية التي تنقلها المصادر، فإن نجاح هذا المسار يعني أن إسرائيل ستكون قد حققت ما هو أبعد من وقف إطلاق النار: إنشاء بيئة أمنية جديدة في لبنان، يصبح فيها حزب الله أضعف عسكرياً، وتصبح الدولة اللبنانية والجهات الدولية صاحبة الدور الأكبر في الجنوب.

وهذا تحديداً ما تعتبره المصادر تهديداً للمصالح التركية، لأن أنقرة ستفقد، في هذه الحالة، إحدى أوراق الضغط المهمة في مواجهة إسرائيل.

لماذا حزب الله تحديداً؟

وفق المعلومات التي قدمتها المصادر، فإن أنقرة لا تنظر إلى حزب الله فقط كقوة لبنانية، وإنما كعامل قادر على إبقاء إسرائيل منشغلة على جبهتها الشمالية.

وتقول المصادر إن الاستخبارات التركية في حالة استنفار لمنع نزع سلاح الحزب، وإنها تسعى إلى إبقاء إسرائيل منشغلة في لبنان إلى جانب غزة، بما يحد من قدرتها على توجيه تركيزها نحو ملفات أخرى في المنطقة.

وتربط المصادر ذلك مباشرة بمصالح تركيا في سوريا؛ فكلما بقيت إسرائيل منشغلة عسكرياً وأمنياً في لبنان، بقيت قدرتها على توسيع الضغط على الساحة السورية أو استهداف المصالح المرتبطة بتركيا أكثر محدودية.

ومن هنا يصبح الحفاظ على حزب الله، بالنسبة لأنقرة وفق المصادر، جزءاً من سياسة أوسع عنوانها إبقاء إسرائيل أمام أكثر من جبهة وعدم السماح لها بتحويل انتصاراتها العسكرية إلى ترتيبات إقليمية دائمة.

التعاون التركي مع حزب الله.. ماذا تقول المصادر؟

وتتحدث المصادر المطلعة عن حصول الاستخبارات التركية على معلومات بشأن تعاونها مع حزب الله، كما تنقل أن إسرائيل باتت متأكدة من وجود دعم تركي عسكري وأمني للحزب.

وتضيف المصادر أن تركيا، أبرمت ترتيبات عسكرية مع حزب الله لسد النقص في الذخيرة، وأن أجهزة الاستخبارات التركية تنشط في لبنان تحت غطاء المؤسسات الإنسانية التركية، ومنها «TİKA» و«AFAD» والهلال الأحمر التركي.

وتتحدث المصادر كذلك عن اتصالات بين الاستخبارات التركية ومسؤولين في حزب الله، وعن نقل معلومات أمنية إلى الحزب بشأن شبكات تعمل لصالح إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن مساعي أنقرة، لمنع نزع سلاح الحزب.

وهذه النقطة تحديداً هي الأكثر حساسية في الملف، لأنها تعني، إذا صحت هذه المعلومات، أن الدور التركي لا يقتصر على الوساطة السياسية أو العمل الإنساني، وإنما يمتد إلى محاولة التأثير في التوازن الأمني الداخلي اللبناني.

المساعدات التركية.. غطاء إنساني أم أداة نفوذ؟

في لبنان، تمتلك تركيا بالفعل شبكة واسعة من المؤسسات الإنسانية والمدنية، وهو ما يوفر لها حضوراً اجتماعياً ولوجستياً يمكن أن يتحول إلى مصدر نفوذ سياسي وأمني.

وتشير المعلومات التي قدمتها المصادر إلى نشاط كبير لجمعيات تركية في تقديم الغذاء والدواء والمساعدات للنازحين، إلى جانب شحنات بحرية وصلت إلى ميناء بيروت، ونشاط مؤسسات مثل الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “tika” وهيئة الإغاثة الإنسانية İHH”” وجمعية حجر الصدقة “Sadakataşı” وجمعية مافي مرمرة “Mavi Marmara” ووقف الايتام “Yetim Vakfı”.

كما تؤدي رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ “AFAD” دوراً بارزاً في إرسال المساعدات والإيواء والتنسيق مع المؤسسات اللبنانية، بما في ذلك إرسال سفن محملة بالمستلزمات الإغاثية وتوفير الخيام والمواد الغذائية والبطانيات.

وبحسب المصادر، فإن هذا النشاط الإنساني يوفر غطاءً للحركة التركية داخل لبنان، وهو ما تستخدمه، أجهزة الاستخبارات التركية لبناء قنوات اتصال مع حزب الله.

أنقرة تريد أن تكون طرفاً في مرحلة ما بعد الحرب

المفارقة اللافتة أن تركيا لا تريد الابتعاد عن الملف اللبناني، بل تسعى، وفق التطورات العلنية، إلى أن يكون لها دور مباشر في ترتيبات الأمن المستقبلية.

ففي تموز 2026، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده تريد المشاركة في المبادرات الأمنية التي ستنشأ في لبنان بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، مؤكداً رغبة تركيا في المساهمة في أمن المنطقة وسيادة لبنان.

وهذا التطور يكتسب أهمية خاصة في ضوء رفض إسرائيل مشاركة تركيا في الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب في جنوب لبنان.

وبالتالي، فإن الصراع بين أنقرة وتل أبيب لا يدور فقط حول وجود حزب الله، وإنما حول سؤال أكبر: من ستكون له الكلمة في تشكيل النظام الأمني الجديد في لبنان؟

إسرائيل تريد ترتيبات تحد من قدرة حزب الله، وتركيا تريد الحفاظ على موقع لها في المعادلة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة الترتيبات بين الطرفين والدفع نحو آلية للتحقق من نزع سلاح حزب الله.

سوريا هي الهدف الأبعد في الحسابات التركية

وبناء على المعلومات التي قدمتها المصادر، فإن سوريا تمثل الهدف الأبعد لهذه المعركة. فأنقرة تعتبر وجودها في سوريا مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد، وليس مجرد انتشار عسكري مؤقت. ولذلك، فإن ظهور منظومة أمنية إسرائيلية تمتد من جنوب لبنان إلى شرق المتوسط، بالتوازي مع علاقات عسكرية مع اليونان وقبرص، يمكن أن يضع تركيا أمام واقع جيوسياسي جديد.

وبالتالي فأن نجاح إسرائيل في لبنان لا يعني فقط إضعاف حزب الله، وإنما يعني بالنسبة لأنقرة نجاح إسرائيل في إزالة إحدى العقبات أمام إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بسوريا.

وإذا أصبحت إسرائيل أكثر قدرة على التحكم بالجنوب اللبناني، وأقامت ترتيبات أمنية دولية جديدة، وحافظت على حضور عسكري في المنطقة، فإن تركيا ستجد نفسها أمام مجال أضيق للتحرك من جنوب سوريا ولبنان إلى شرق المتوسط.

هل ستسعى تركيا إلى إفشال الاتفاق؟

وفقاً للمصادر المطلعة، فإن تركيا تسعى لإفشال الاتفاق بين لبنان وإسرائيل؛ إذ ترى أنقرة، أن تثبيت الاتفاق سيضر بمصالحها الاستراتيجية، ولذلك ستعمل على تعطيله أو إسقاطه، مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

وقد تشمل أدوات ذلك، الحفاظ على قنوات الاتصال مع حزب الله، تقديم تسهيلات للحزب، استخدام النفوذ على الحدود السورية–اللبنانية، وتكثيف الحضور السياسي والإنساني والأمني داخل لبنان.

معركة لبنان هي معركة سوريا بالنسبة لتركيا

في المحصلة، لا تبدو المعركة التركية–الإسرائيلية في لبنان، مرتبطة فقط بمصير حزب الله. فالقضية بالنسبة لأنقرة أوسع بكثير: إنها معركة على شكل المنطقة بعد الحرب، وعلى من يملك القدرة على رسم الترتيبات الأمنية من لبنان إلى سوريا وشرق المتوسط.

فإذا نجحت إسرائيل في تثبيت اتفاق بضمانة أميركية، ونُزع سلاح حزب الله، وأقيمت آلية دولية لمراقبة ذلك، وتكرس حضور أمني إسرائيلي في الجنوب اللبناني، فإن تركيا ستواجه، واقعاً إقليمياً جديداً قد يضعف قدرتها على استخدام لبنان وسوريا كورقة نفوذ.

أما إذا بقي حزب الله محتفظاً بجزء مؤثر من قدراته، وظلت الجبهة اللبنانية مفتوحة على احتمالات التصعيد، فإن إسرائيل ستبقى منشغلة على جبهتها الشمالية، وهو ما ترى المصادر أنه يخدم، بصورة غير مباشرة، المصالح التركية في سوريا.

ومن هنا يمكن فهم العنوان الأوسع لهذه المعركة: تركيا لا تدافع عن حزب الله، بوصفه حليفاً لبنانياً فحسب؛ وإنما تحاول الحفاظ عليه كأداة توازن تمنع إسرائيل من تحقيق انتصار استراتيجي كامل في لبنان، لأن نجاح إسرائيل هناك قد يكون، من وجهة نظر أنقرة، بداية انتقال الضغط إلى سوريا ثم إلى المجال التركي في شرق المتوسط.

وبذلك يصبح لبنان بالنسبة لتركيا ساحة متقدمة للدفاع عن مشروعها في سوريا، فيما يصبح حزب الله إحدى الأدوات التي يمكن أن تستخدمها أنقرة لإبقاء إسرائيل منشغلة، ومنع تثبيت واقع إقليمي جديد ترى أنه قد يحاصر نفوذها من الجنوب والغرب.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى