حفل أصالة ينتقل إلى منابر الجمعة.. انتقادات دينية تتجاوز الغناء إلى أولويات المرحلة السورية

انتقل الجدل الذي أثاره الحفل الذي أحيته الفنانة السورية أصالة نصري، مساء الخميس في صالة الفيحاء بدمشق، من الأوساط الفنية والإعلامية إلى عدد من منابر الجمعة في محافظات سورية عدة، حيث تناول خطباء المساجد الحفل بالانتقاد، متطرقين إلى إقامة الفعاليات الغنائية وأسعار تذاكرها، وعودة أصالة إلى سوريا، إضافة إلى موقف وزير الثقافة من الحفل، في وقت ربط فيه بعضهم الجدل بالأوضاع المعيشية وأوضاع المهـ ـجرين وسكان المخـ ـيمات والجـ ـرحى وعائلات الضـ ـحايا.

انتقادات للحفل في ظل الأوضاع المعيشية

تركز جانب من الانتقادات على إقامة الحفل الغنائي في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها قطاع واسع من السوريين. ودعا عدد من الخطباء إلى توجيه الأموال والاهتمام نحو الفئات الأكثر تضرراً، وفي مقدمتها الفقراء وسكان المخيمات والمهجرون والجرحى وعائلات الشهداء.

وفي إحدى الخطب، انتقد الشيخ محمد نعيم الحريري الحديث عن تخصيص عائدات الحفل للجمعيات الخيرية، متسائلاً عن جدوى جمع الأموال من خلال الغناء، ودعا، وفق رؤيته، إلى توجيه النصح بدلاً من إقامة مثل هذه الفعاليات، كما عبّر عن رفضه للغناء والاختلاط باعتبارهما مخالفين لرؤيته الدينية.

من جهته، ركز الشيخ أبو أحمد الجزائري على أسعار تذاكر الحفل، التي قال إنها تراوحت بين 50 و800 دولار، متسائلاً عن أولوية إنفاق هذه الأموال، ومشيراً إلى أن سكان المخيمات والفقراء في سوريا أولى بها.

ورغم انتقاده إقامة الحفل، أوضح الجزائري أنه لا يعترض على تكريم أصالة بسبب موقفها المؤيد للثورة السورية، قائلاً إن تكريمها بحد ذاته «ما في مشكلة»، لكنه رفض أن يكون التكريم عبر حفل غنائي، مستنداً في ذلك أيضاً إلى موقف ديني من الغناء والاختلاط.

خلاف حول توصيف عودة أصالة

لم تقتصر الانتقادات على الحفل نفسه، بل امتدت إلى الخطاب الرسمي المصاحب لعودة أصالة إلى سوريا، ولا سيما تصريحات وزير الثقافة بشأن الفنانة والحفل.

وفي إحدى الخطب، انتقد الخطيب موقف الوزير من عودة أصالة، رافضاً وصف عودتها بأنها شكل من أشكال «انتصار المظلوم على الظالم». واعتبر أن مظاهر الانتصار، من وجهة نظره، تتمثل في عودة المهجرين، واستعادة الحقوق، وإنصاف الضحايا، وتطبيق العدالة الانتقالية، وإعادة الممتلكات والمنازل إلى أصحابها.

ويعكس هذا الطرح انتقال النقاش من البعد الفني والثقافي للحفل إلى أسئلة أوسع تتعلق بمرحلة ما بعد الحرب، وطبيعة الأولويات التي ينبغي أن تحظى باهتمام المؤسسات الرسمية، ولا سيما في ما يتصل بالضحايا والمهجرين والحقوق.

«الشهداء هم أيقونة الثورة»

كما طالت الانتقادات استخدام أوصاف مثل «أيقونة الثورة» في الحديث عن الفنانين والشخصيات العامة.

وفي خطبة أخرى، اعترض الخطيب على منح الفنانين هذه الصفة، قائلاً إن «الشهداء هم أيقونة الثورة»، وربط ذلك بمن دفعوا حياتهم ثمناً، ومن دمرت منازلهم، ومن فقدوا أبناءهم، داعياً إلى وضع الجرحى وعائلات الشهداء والمتضررين في صدارة الاهتمام.

وتكشف هذه المواقف عن حساسية ما يزال يحملها النقاش حول الرموز والشخصيات التي ارتبطت بالثورة السورية، خصوصاً في مرحلة تحاول فيها البلاد إعادة تعريف رموزها العامة، بالتوازي مع استمرار ملفات الضحايا والمهجرين والمفقودين والحقوق.

بين الثقافة والدين وأولويات المرحلة

وفي نموذج آخر من الخطب، استخدم أحد الخطباء خطاباً دينياً للرد بصورة غير مباشرة على عبارة وزير الثقافة بشأن بقاء دمشق «إلى يوم القيامة»، داعياً إلى «تقوى رب دمشق» والابتعاد عما وصفه بالمنكرات.

ورصد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقاطع تضمنت مقارنات حادة بين إقامة الحفلات والمهرجانات وبين ما مرت به البلاد خلال سنوات الحرب، في سياق رفض أصحابها للمشهد الفني والثقافي الراهن. وأشار المرصد إلى أنه امتنع عن إعادة نشر بعض العبارات التي تضمنت إهانات أو تحريضاً على العنف والكراهية، مكتفياً بنقل مضمون المواقف التي عبّر عنها أصحابها.

حفل فني يتحول إلى نقاش حول سوريا الجديدة

وبذلك، تجاوز الجدل الذي أثاره حفل أصالة نصري حدود النقاش حول الفن والغناء، ليتحول إلى مساحة للتعبير عن رؤى مختلفة بشأن شكل الحياة العامة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، ودور الثقافة والفنون، وحدود حضورها في المجال العام، والأولويات الاجتماعية والاقتصادية التي يفترض أن تحظى بالاهتمام.

وفي المقابل، فإن الانتقادات التي صدرت عن بعض الخطباء لم تقتصر على رفض الحفل من منطلق ديني، بل استند جزء منها إلى اعتبارات اجتماعية وسياسية، تمحورت حول الفقر والمهجرين والجرحى وعائلات الضحايا والعدالة الانتقالية، ما جعل الحفل مناسبة لإعادة طرح أسئلة أوسع بشأن طبيعة المرحلة الجديدة وما تحمله من أولويات وتحديات.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى