مجلس الشعب أمام اختبار الرقـ ـابة.. نظام رئاسي يحد من قدرة البرلمان على محاسـ ـبة الحكومة

فتحت جلسة الاستماع البرلمانية التي خصصت لمناقشة قرارات رفع أسعار المحروقات في سوريا نقاشاً أوسع من حدود أزمـ ـة الوقود والأسعار، لتطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومدى قدرة مجلس الشعب، في المرحلة الانتقالية، على ممارسة رقـ ـابة فعلية على أداء الحكومة وقراراتها.

وجاءت جلسة الاستماع بعد تأجيلها من موعد سابق، وسط ضغوط شعبية وبرلمانية على خلفية رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 25 و40 في المائة. وتوسعت أجندة الجلسة لتشمل ملفات النفط والكهرباء والمياه والتعدين، بما يعكس اتساع الأسئلة المتعلقة بإدارة القطاعات الحيوية وتأثير القرارات الحكومية في الحياة اليومية للسوريين.

رقابة بلا قدرة على إسقاط الحكومة

ويمنح الإعلان الدستوري مجلس الشعب سلطة التشريع، ويحدد ضمن مهامه إقرار القوانين والموازنة العامة والمصادقة على المعاهدات، إلى جانب عقد جلسات استماع للوزراء. كما نص على أن المجلس يتولى السلطة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية إلى حين اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات تشريعية جديدة.

لكن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بوجود أدوات رقابية من حيث المبدأ، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج نتائج ملزمة للسلطة التنفيذية. فجلسة الاستماع، وفق الآلية الحالية، تتيح للنواب طلب الإيضاحات ومناقشة المسؤولين ومراجعة الأرقام والخطط، لكنها لا تعني تلقائياً امتلاك المجلس أداة سياسية لإجبار الحكومة على التراجع عن قرار أو تغيير وزير أو إسقاط الحكومة.

وهنا تظهر إحدى أبرز سمات النظام السياسي الانتقالي: وجود مجلس يمارس التشريع والرقابة، بالتوازي مع صلاحيات تنفيذية واسعة في مؤسسة الرئاسة.

وكان الإعلان الدستوري قد جعل السلطة التنفيذية من اختصاص رئيس الجمهورية، فيما يتولى مجلس الشعب السلطة التشريعية.

جلسة المحروقات تكشف حدود الأدوات البرلمانية

واكتسبت جلسة الاستماع المتعلقة بالمحروقات أهمية خاصة لأنها جاءت عقب قرار حكومي انعكس بصورة مباشرة على أسعار الوقود وتكاليف النقل والإنتاج والخدمات.

وبررت الجهات الحكومية رفع الأسعار بارتفاع تكاليف الاستيراد والظروف الإقليمية، إضافة إلى أعمال الصيانة في مصفاة بانياس، في ظل فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك. وتشير المعطيات إلى أن الإنتاج المحلي يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل حاجة تقدّر بين 300 و350 ألف برميل.

وفي مثل هذه الحالة، لا تقتصر مسؤولية البرلمان على الاستماع إلى التبريرات، بل تمتد إلى فحص البيانات التي بُني عليها القرار، ومناقشة البدائل التي كانت متاحة، وقياس أثر زيادة الأسعار على المواطنين والاقتصاد، ومراجعة خطط زيادة الإنتاج وتأمين مصادر الطاقة.

الثلث المعين يضيف بعداً آخر

ولا يمكن فصل قوة مجلس الشعب عن طريقة تشكيله نفسها. فالإعلان الدستوري نص على أن رئيس الجمهورية يشكل اللجنة العليا لاختيار أعضاء المجلس، فيما انتخبت الهيئات الناخبة ثلثي الأعضاء، وعين رئيس الجمهورية الثلث المتبقي. وبحسب النظام الانتخابي المؤقت، يتكون المجلس من 210 أعضاء، بينهم 70 عضواً عينهم رئيس الجمهورية.

ويعني ذلك أن بنية المجلس خلال المرحلة الانتقالية ليست قائمة بالكامل على الانتخاب المباشر لأعضائه، الأمر الذي يجعل مسألة استقلال المؤسسة التشريعية وقدرتها على ممارسة رقابة متوازنة على السلطة التنفيذية من القضايا التي ستبقى حاضرة في النقاش الدستوري والسياسي.

وفي المقابل، تقول الرواية الرسمية إن هذه الصيغة جزء من ترتيبات المرحلة الانتقالية، وإن المجلس يمارس دوره التشريعي والرقابي ضمن الصلاحيات التي حددها الإعلان الدستوري.

الموازنة.. إحدى أهم أدوات الضغط

ولا تقتصر أدوات المجلس على جلسات الاستماع. فإقرار الموازنة العامة يمنحه وسيلة مهمة لفحص الإنفاق الحكومي، ومناقشة أولويات الوزارات، ومراجعة حجم النفقات والإيرادات، ومدى ارتباط الإنفاق بالنتائج المعلنة.

وفي قطاع الطاقة تحديداً، يمكن للرقابة على الموازنة أن تفتح ملفات الإنتاج والاستيراد والصيانة والدعم والأسعار والعقود والاستثمارات، خصوصاً عندما تتحول قرارات القطاع إلى أعباء مباشرة على المواطنين.

لكن فعالية هذه الأداة ترتبط بمدى قدرة المجلس على الوصول إلى البيانات التفصيلية والوثائق، ومناقشتها بصورة مستقلة، وتحويل ملاحظاته إلى قرارات أو توصيات تجد طريقها إلى التنفيذ.

بين الشفافية والمساءلة الملزمة

وتكمن أهمية جلسات الاستماع في أنها تنقل بعض القرارات الحكومية من نطاق الإدارة التنفيذية إلى المجال العام، وتجبر المسؤولين على تقديم تفسير رسمي أمام مؤسسة تشريعية وأمام الرأي العام.

وهذا الجانب لا يخلو من أهمية، خصوصاً في مرحلة انتقالية تحتاج فيها مؤسسات الدولة إلى بناء قواعد جديدة للشفافية والمحاسبة.

لكن الشفافية وحدها لا تعني بالضرورة المساءلة السياسية. فهناك فارق بين أن يطلب البرلمان تفسيراً لقرار حكومي، وبين أن يمتلك سلطة قانونية وسياسية لإجبار الحكومة على تغييره أو تحميل الوزير المسؤولية السياسية عنه.

ومن هنا تصبح جلسات الاستماع اختباراً عملياً لحدود الدور الرقابي للمجلس: هل ستبقى مخرجاتها في إطار تسجيل المواقف وكشف الأرقام، أم ستتحول إلى أدوات تؤثر فعلياً في السياسات الحكومية؟

نظام رئاسي وصلاحيات تشريعية محددة

إن النظام المعتمد خلال المرحلة الانتقالية يمنح مؤسسة الرئاسة موقعاً مركزياً في السلطة التنفيذية، بينما يمارس مجلس الشعب اختصاصاته التشريعية والرقابية ضمن الحدود التي رسمها الإعلان الدستوري.

وتؤكد المصادر الرسمية أن النظام الرئاسي يجعل مجلس الشعب الجهة المختصة بممارسة السلطة التشريعية، فيما يحدد الإعلان الدستوري اختصاصاته بوضوح، ومن بينها عقد جلسات الاستماع للوزراء.

وهذا يضع العلاقة بين المؤسستين أمام معادلة دقيقة: برلمان يملك أدوات للمساءلة والكشف والمناقشة وإقرار الموازنة، لكنه يعمل في إطار نظام رئاسي يمنح السلطة التنفيذية موقعاً قوياً.

كما أن الإعلان الدستوري منح رئيس الجمهورية دوراً أساسياً في تشكيل المجلس نفسه، عبر تعيين ثلث أعضائه، وهو ما يضيف بعداً آخر إلى النقاش حول توازن السلطات خلال المرحلة الانتقالية.

المحروقات ليست القضية الوحيدة

ولا تتوقف أهمية هذه المسألة عند أسعار الوقود. فاختبار العلاقة بين البرلمان والحكومة سيتكرر في ملفات الكهرباء والمياه والنقل والإنفاق العام والضرائب والخدمات، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بالظروف المعيشية للسكان.

وقد بدأ المجلس بالفعل باستخدام جلسات الاستماع لمناقشة ملفات تتعلق بالتعليم والمناهج ودمج ذوي الإعاقة وأوضاع المعلمين والطلاب، ما يشير إلى أن هذه الأداة يمكن أن تتحول إلى قناة مستمرة لمناقشة أداء الوزارات. وتحدد الصيغة الدستورية الحالية جلسات الاستماع كإحدى الأدوات الرقابية المتاحة للمجلس.

لكن نجاح هذه الآلية سيقاس بما ينتج عنها بعد انتهاء الجلسات: هل تؤدي إلى تعديل سياسات؟ هل تكشف أوجه الخلل وتنتج توصيات قابلة للتنفيذ؟ وهل يستطيع المجلس متابعة تنفيذ ما يطلبه من الوزارات؟

اختبار مبكر لتوازن السلطات

تضع أزمة المحروقات مجلس الشعب أمام اختبار مبكر يتجاوز القرار المتعلق بالأسعار. فالقضية تكشف عملياً حدود الرقابة البرلمانية في النظام الانتقالي، والفارق بين امتلاك المجلس حق الاستماع والمساءلة وبين امتلاكه أدوات سياسية أقوى للتأثير في الحكومة.

وبينما يمثل تشكيل مجلس الشعب خطوة أساسية في بناء المؤسسات التشريعية خلال المرحلة الانتقالية، فإن الإعلان الدستوري نفسه يحدد نطاق سلطاته ويمنح الرئاسة دوراً واسعاً في بنية النظام السياسي.

وعليه، فإن مستقبل الرقابة البرلمانية لن يتحدد فقط بنصوص الإعلان الدستوري، بل أيضاً بالممارسة اليومية: مدى قدرة النواب على الوصول إلى المعلومات، وطرح الأسئلة الصعبة، ومتابعة تنفيذ التوصيات، وتحويل جلسات الاستماع من منصة لعرض التبريرات الحكومية إلى آلية مؤسسية مستمرة لمراقبة الأداء العام.

ويبقى السؤال الأوسع مرتبطاً بمستقبل الدستور الدائم: هل ستبقى العلاقة بين السلطتين على هذا النحو، أم ستعيد الوثيقة الدستورية المقبلة رسم حدود الصلاحيات والتوازن بين الرئاسة والبرلمان والحكومة؟ هذا السؤال سيحدد، إلى حد كبير، طبيعة النظام السياسي السوري في المرحلة التي ستلي الفترة الانتقالية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى