رايتس ووتش تحــذر: صفقات إعادة الإعمار في سوريا تفتقر إلى إطار حقوقي

حذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن الحكومة الانتقالية السورية تمضي في إبرام صفقات ومشاريع لإعادة الإعمار دون وجود إطار حقوقي واضح يضمن حماية حقوق المتضررين، ولا سيما في قضايا السكن والأراضي والملكية وعودة النازحين.

وقالت المنظمة إن الحكومة كشفت في مارس/آذار 2026 عن مخطط وطني للتعافي، أعقبته تعهدات دولية بمليارات الدولارات للمساعدات والاستثمار، إلا أن الأطر القانونية الحالية لا تلزم السلطات أو المطورين بالتشاور مع السكان المتضررين قبل تنفيذ المشاريع، كما لا توفر آليات مستقلة وفعالة للاعتراض على القرارات المتعلقة بالمنازل والأراضي.

وأشارت المنظمة، استناداً إلى بحث ميداني أجرته في مايو/أيار 2026، إلى أن مناطق عدة تستقبل عائدين تعاني من دمار واسع ونقص حاد في الخدمات الأساسية. ففي قرية غدفة بريف إدلب، عاد سكان من مخيمات النزوح ليجدوا أنفسهم أمام نقص في المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والخدمات الطبية.

وتأتي هذه التحديات في ظل حجم هائل من احتياجات إعادة الإعمار، إذ قدّر البنك الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 الأضرار المادية في سوريا بنحو 108 مليارات دولار، بينما تراوحت تقديرات تكلفة إعادة الإعمار بين 140 و345 مليار دولار، بمتوسط يبلغ نحو 216 مليار دولار. وفي المقابل، تعهدت دول ومؤسسات دولية بمليارات الدولارات لدعم التعافي والاستثمار.

وبحسب لجنة الإنقاذ الدولية، عاد أكثر من 3.5 مليون لاجئ ونازح سوري إلى مناطقهم منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، إلا أن المنظمة أشارت إلى أن بعض عمليات العودة جاءت نتيجة تدهور ظروف النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يثير تساؤلات حول مدى طوعية بعض حالات العودة.

نزاعات الملكية وغياب آليات الاعتراض

ترى هيومن رايتس ووتش أن إعادة الإعمار ينبغي أن تراعي المعايير الدولية المتعلقة بالحق في السكن الملائم، وحماية الملكية، والمشاركة في القرارات، والتعويض، والعودة الآمنة والكريمة.

وتشير المنظمة إلى استمرار نزاعات السكن والأراضي والملكية، إضافة إلى عدم وجود آلية متخصصة ومستقلة تتيح للسكان الاعتراض على مشاريع إعادة الإعمار. كما أن متطلبات إثبات الملكية وصعوبة الوصول إلى القضاء تشكل عائقاً أمام كثير من المتضررين.
وفي دمشق، لا يزال الجدل قائماً حول المرسوم 66 ومشروعي “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”، اللذين ارتبطا بعمليات إعادة تطوير ونزع ملكية خلال عهد الحكومة السابقة. ورغم تشكيل لجنة لمراجعة الإجراءات وصدور بعض قرارات التعويض، ما يزال الإطار القانوني للمشروعين عالقاً، بينما ينتظر السكان المتضررون حلاً نهائياً.

وفي حي جوبر، الذي دُمّر نحو 95% من مبانيه، أُبلغ السكان بأن إعادة البناء الفردية غير ممكنة، فيما تتضمن خطط إعادة الإعمار المقترحة تعويض أصحاب المنازل بوحدات تبلغ مساحتها نحو نصف مساحة مساكنهم السابقة، في حين يحصل بعض سكان العشوائيات على نسب أقل، بينما لا يحصل المستأجرون على تعويض وفق المعطيات الواردة في التقرير.

العودة وسط نقص الخدمات

تؤكد المعايير الدولية أن عودة اللاجئين والنازحين ينبغي أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، وأن تتوافر عند العودة مقومات السكن والخدمات الأساسية وحماية حقوق الملكية.

لكن الواقع في عدد من مناطق العودة لا يزال بعيداً عن ذلك. ففي غدفة، وثقت المنظمة عودة سكان إلى منازل مدمرة ومناطق تفتقر إلى المياه والكهرباء والمدارس والخدمات الطبية. وقال رئيس المجلس البلدي إن القرية تضم نحو 13 ألف نسمة حالياً، فيما لا يملك سوى عدد محدود من المنازل أسقفاً إسمنتية صالحة.

وتشير المنظمة إلى أن تراجع التمويل الإنساني وتدهور ظروف مخيمات النزوح قد يدفع بعض السكان إلى العودة رغم عدم توفر الظروف اللازمة، بالتزامن مع مبادرة الحكومة الانتقالية لإنهاء مخيمات النزوح بحلول عام 2027.

دعوات لضمانات حقوقية

تدعو هيومن رايتس ووتش الحكومة الانتقالية إلى إدراج ضمانات حقوقية ملزمة في جميع مراحل إعادة الإعمار، وضمان مشاركة المجتمعات المتضررة، وحماية الملكية، ووضع معايير عادلة للتعويض، وإنشاء آليات مستقلة للتظلم.

كما تدعو إلى مراجعة المرسوم 66 والقانون رقم 10 لعام 2018، وربط إعادة الإعمار بملفات العدالة الانتقالية والسكن والأراضي والملكية، إلى جانب إعطاء الأولوية لإعادة الخدمات الأساسية في مناطق العودة، بما فيها المياه والكهرباء والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية.

وتحث المنظمة المانحين والمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية على جعل احترام حقوق الإنسان شرطاً لتمويل مشاريع إعادة الإعمار، وإجراء تقييمات مسبقة لأثر المشاريع على حقوق السكان، وضمان معالجة نزاعات الملكية قبل تنفيذ الاستثمارات.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى