من ليبيا وأذربيجان والنيجر إلى اليمن.. سياسة تصدير المـ ـرتـ ـزقة السوريين تعود إلى الواجـ ـهة!

تتداول وسائل إعلام ومنصات إخبارية تقارير عن إرسال قـ ـوات سورية يتراوح عددها بين 10 آلاف و20 ألف عنـ ـصر إلى اليمن، للمشاركة في العمـ ـليات العسـ ـكرية ضـ ـد جـ ـمـ ـاعة أنـ ـصـ ـار الله (الحـ ـوثيين) إلى جانب القـ ـوات السعودية، في تطور يعيد إلى الواجـ ـهة ملف المـ ـرتـ ـزقة السوريين الذين جرى نقلهم خلال السنوات الماضية إلى ساحات قـ ـتـ ـال خارج البلاد.

وبحسب المعلومات المتداولة، فإن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أرسل مسـ ـلـ ـحين من فـ ـصـ ـائل سورية مسـ ـلحة تتـ ـبع رسمياً لوزارة الدفاع، وكانت مـ ـدعـ ـومة من تركيا خلال السنوات الماضية، بينها “فـ ـرقة السلطان سليمان شاه” المعروفة بـ”العمـ ـشات”، و”فرقـ ـة الحمـ ـزة” المعروفة بـ”الحمـ ـزات”، و”فـ ـرقة السلطان مراد”، للمشاركة في العمـ ـليات العسـ ـكرية في اليمن.

ولا يأتي الحديث عن هذه الفصائل باعتبارها تخوض للمرة الأولى عمليات عسكرية خارج سوريا، إذ سبق توثيق ونقل مرتزقة سوريين من تشكيلات مرتبطة بـ”الجيش الوطني السوري” المدعوم تركياً إلى ليبيا وأذربيجان، قبل أن تتوسع عمليات التجنيد والنقل لاحقاً لتشمل النيجر.

ليبيا.. البداية الأبرز

وكانت ليبيا إحدى أبرز الساحات التي شهدت نقل مرتزقة سوريين إلى خارج البلاد. وتفيد تقارير حقوقية بأن تركيا نظمت عمليات تجنيد ونقل مرتزقة من الفصائل السورية المدعومة منها إلى ليبيا للمشاركة إلى جانب حكومة الوفاق الوطني.

وشملت عمليات التجنيد فصائل من بينها “السلطان مراد” و”السلطان سليمان شاه” و”الحمزة”، إلى جانب تشكيلات أخرى ضمن “الجيش الوطني السوري”. وقد وثقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” آليات التجنيد والنقل، بما في ذلك مقابلات مع مرتزقة ومصادر عسكرية، بينما قدمت تقارير حقوقية أخرى أرقاماً كبيرة حول أعداد السوريين الذين نُقلوا إلى ليبيا.

وفي عام 2020، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان وصول أعداد كبيرة من المرتزقة السوريين إلى ليبيا، مشيراً إلى أن العدد وصل، وفق إحصاءاته آنذاك، إلى نحو 18 ألف مرتزق، بينهم قاصرون، مع عودة آلاف منهم إلى سوريا بعد انتهاء عقودهم.

وتكشف تجربة ليبيا عن نمط بات معروفاً في عمليات نقل المرتزقة السوريين: تجنيد داخل مناطق سيطرة الفصائل، تسجيل أسماء الراغبين، نقلهم إلى الأراضي التركية، ثم إرسالهم جواً إلى ساحة القتال، مقابل رواتب مالية وعقود محددة المدة.

أذربيجان.. انتقال المرتزقة إلى جبهة أخرى

ولم تقتصر عمليات النقل على ليبيا. ففي عام 2020، تحدثت تقارير عن نقل مرتزقة سوريين إلى أذربيجان خلال الحرب في إقليم ناغورنو كاراباخ.

ووثق المرصد السوري آنذاك نقل أكثر من 300 مرتزق من الفصائل السورية المدعومة من تركيا، معظمهم من “السلطان مراد” و”العمشات”، مشيراً إلى أن المرتزقة تلقوا وعوداً برواتب شهرية تتراوح بين 1500 و2000 دولار.

كما توثق دراسات وأبحاث لاحقة مشاركة فصائل من “الجيش الوطني السوري” في ليبيا وأذربيجان، وتشير إلى أن “السلطان سليمان شاه” و”السلطان مراد” و”الحمزة” كانت من بين التشكيلات التي شاركت في عمليات التجنيد والنقل إلى ساحات خارج سوريا.

النيجر.. استمرار نموذج التجنيد الخارجي

وعاد هذا النمط إلى الظهور بصورة أكثر وضوحاً مع النيجر. ففي عامي 2023 و2024، جرى توثيق إرسال مرتزقة سوريين من الفصائل المدعومة من تركيا إلى النيجر.

وقالت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إنها وثقت، استناداً إلى شهادات مصادر عسكرية ومقابلات مع ذوي مرتزقة، إرسال ما لا يقل عن ألف مرتزق سوري إلى النيجر على ثلاث دفعات بين أواخر 2023 ونيسان 2024، وكان “السلطان مراد” في مقدمة الفصائل المشاركة في عمليات التجنيد. كما تحدث التقرير عن مشاركة “العمشات” و”الحمزات” وفصائل أخرى في عمليات التجنيد السابقة.

وبحسب المنظمة، شارك مرتزقة من “السلطان مراد” في عمليات التجنيد للنيجر، فيما جرى نقل الدفعات عبر الأراضي التركية، مع إشراف وتنسيق من جهات أمنية وعسكرية تركية وفق الشهادات التي جمعتها المنظمة. كما وثق المرصد السوري بدوره إرسال دفعات من المرتزقة إلى النيجر، بينها دفعة ضمت نحو 300 مرتزق من “السلطان سليمان شاه” و”الحمزة” و”السلطان مراد”.

وتشير دراسة أكاديمية حديثة اعتمدت على مقابلات مع مرتزقة ومصادر مرتبطة بهذه العمليات إلى وجود آلية شبه منظمة للتجنيد والنقل، شملت التسجيل داخل الفصائل، والفحص الأمني، والعقود، ثم نقل المرتزقة عبر تركيا إلى مناطق العمليات. كما وثقت الدراسة اختلاف الرواتب بحسب المهمة، مشيرة إلى رواتب في ليبيا وأذربيجان والنيجر، وتعويضات مرتبطة بالوفاة والإصابات في بعض العقود.

فصائل واحدة.. ساحات متعددة

وتكتسب أسماء “العمشات” و”الحمزات” و”السلطان مراد” أهمية خاصة في التقارير الحالية بشأن اليمن، لأن هذه الفصائل ظهرت سابقاً في ملفات نقل المرتزقة السوريين إلى خارج البلاد.

فـ”السلطان مراد” ارتبط بشكل واضح بعمليات التجنيد إلى ليبيا وأذربيجان والنيجر، بينما ورد اسم “العمشات” و”الحمزات” في عمليات سابقة مرتبطة بليبيا وأذربيجان والنيجر أيضاً. وتظهر تقارير حقوقية وأبحاث مستقلة أن عمليات التجنيد لم تكن عشوائية بالكامل، بل جرت عبر قيادات الفصائل، وبآليات تضمنت اختيار المرتزقة ونقلهم وإبرام ترتيبات مالية معهم.

وبذلك، فإن الحديث الحالي عن إمكانية إرسال مرتزقة من هذه التشكيلات إلى اليمن يأتي في سياق له سوابق موثقة، وليس باعتباره فكرة ظهرت للمرة الأولى مع الحرب اليمنية.

من مرتزقة تابعين لفصائل إلى عناصر ضمن وزارة الدفاع

ولكن التطور الأبرز في الحالة السورية الحالية يتمثل في أن الفصائل التي كانت تُعرّف سابقاً باعتبارها جزءاً من تشكيلات موالية لتركيا أصبحت، بعد إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، مرتبطة رسمياً بوزارة الدفاع السورية.

وهذا التحول يطرح سؤالاً مختلفاً عن الحالات السابقة: فإذا ثبت إرسال هؤلاء المرتزقة إلى اليمن، فلن يتعلق الأمر فقط بنقل أفراد من فصائل مسلحة إلى ساحة خارجية، وإنما بإمكانية انتقال أشخاص أصبحوا جزءاً من مؤسسة عسكرية رسمية إلى نزاع خارج الأراضي السورية.

وتزداد أهمية هذه النقطة مع الحديث عن أعداد تصل إلى 10 آلاف أو 20 ألف مسلح، وهي أعداد كبيرة مقارنة بحجم القوات التي جرى الحديث عن إرسالها في المرات السابقة إلى الخارج. كما أن مشاركة قوة بهذا الحجم ستطرح تساؤلات حول طبيعة القرار، وسلسلة القيادة، والتمويل، والمهام المحددة للمسلحين، وما إذا كانت المشاركة تتم باعتبارها قوة عسكرية سورية رسمية أم عبر ترتيبات منفصلة.

مقاطع مصورة وشهادات متداولة من اليمن

وتزامن تداول التقارير بشأن اليمن مع انتشار مقاطع فيديو يظهر فيها مواطنون يمنيون يتحدثون عن وجود مرتزقة سوريين في البلاد، ويشيرون إلى مشاركتهم إلى جانب القوات السعودية.

اليمن.. محطة جديدة في مسار عابر للحدود

وتضع هذه المعطيات الحديث عن إرسال مرتزقة سوريين إلى اليمن ضمن سياق أوسع يتعلق باستخدام المرتزقة السوريين في صراعات إقليمية خارج حدود بلادهم. فمن ليبيا إلى أذربيجان، ثم النيجر، انتقلت عمليات التجنيد بين ساحات مختلفة، فيما بقيت بعض الفصائل نفسها حاضرة في أكثر من ملف.

وبناءً على ذلك، فإن أهمية التقارير الحالية لا ترتبط فقط بالعدد المتداول للمرتزقة، وإنما بطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه التشكيلات السورية في الحرب اليمنية، وما إذا كان نقلها إلى اليمن يمثل استمراراً لنموذج سابق من تجنيد المرتزقة السوريين وإرسالهم إلى صراعات خارجية، أم تحولاً جديداً يتم هذه المرة ضمن إطار وزارة الدفاع السورية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى