التعليم باللغة الكوردية حق أساسي.. مخـ ـاوف من تهميش الهوية الثقافية في المناهج السورية

لا تزال قضية التعليم باللغة الكوردية في سوريا تشكل أحد أبرز الملفات المرتبطة بالحقوق الثقافية واللغوية، في ظل مطالب متزايدة بالاعتراف باللغة الأم وضمان حضورها في المؤسسات التعليمية، بالتزامن مع نقاشات حول مستقبل المناهج السورية والمرجعيات الثقافية والتاريخية التي ستستند إليها عملية تطوير التعليم.

وتتجاوز هذه القضية، في جوهرها، حدود الخلاف على عدد الساعات المخصصة لتدريس اللغة الكوردية أو طبيعة المناهج المعتمدة، لتطرح أسئلة أوسع تتعلق بمفهوم المواطنة المتساوية، ومكانة التنوع الثقافي في الدولة السورية، ومدى التزام السلطات بضمان الحقوق اللغوية لجميع مكونات المجتمع.

ويؤكد مدافعون عن الحقوق الثقافية واللغوية أن تعليم اللغة الكوردية ليس مطلباً سياسياً قابلاً للمساومة أو التهميش، وإنما حق أساسي يرتبط بالهوية والكرامة الإنسانية، ويستند إلى مبادئ ومواثيق دولية تؤكد ضرورة حماية اللغات والثقافات، وضمان حق الأطفال في التعلم بلغتهم الأم، وعدم إخضاع هذا الحق للاعتبارات السياسية أو الإدارية.

 

اللغة الأم حق أساسي وليس امتيازاً سياسياً

 

يشكل التعليم باللغة الأم أحد المحاور الأساسية في النقاشات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتعليم، إذ يرتبط بقدرة الأطفال على اكتساب المعرفة، والتعبير عن أنفسهم، والحفاظ على هويتهم الثقافية واللغوية.

وتنص المادة 30 من اتفاقية حقوق الطفل، التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1989، على أنه لا يجوز حرمان الطفل المنتمي إلى أقلية إثنية أو دينية أو لغوية من حقه في التمتع بثقافته، أو استخدام لغته الخاصة.

كما تؤكد المادة 29 من الاتفاقية أهمية تنمية احترام هوية الطفل الثقافية ولغته وقيمه، إلى جانب احترام الهوية الوطنية والقيم الثقافية الأخرى.

وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في سوريا، التي تتسم بتعدد قومي ولغوي وثقافي، حيث يشكل الأكراد أحد المكونات الأساسية للمجتمع السوري، إلى جانب العرب والسريان والآشوريين والتركمان وغيرهم.

ومن هذا المنطلق، فإن ضمان التعليم باللغة الكوردية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تنازلاً سياسياً أو استجابة مؤقتة لمطالب جماعة معينة، بل باعتباره جزءاً من مسؤولية الدولة في حماية الحقوق الأساسية لمواطنيها، وضمان عدم تعرض أي مكون للحرمان من لغته وثقافته داخل المؤسسات التعليمية.

وتشير هذه المقاربة إلى أن الاعتراف باللغة الكوردية في التعليم لا يتعارض مع تعلم اللغة العربية أو تعزيز الانتماء الوطني السوري، بل يمكن أن يشكل أساساً لبناء نموذج تعليمي أكثر شمولاً، يعترف بالتعددية ويعزز المساواة بين المواطنين.

 

المواثيق الدولية تؤكد حماية اللغات والثقافات

تستند المطالب المتعلقة بالتعليم باللغة الكوردية إلى مجموعة من المرجعيات الدولية التي تؤكد أهمية حماية الهوية الثقافية واللغوية، ومنع التمييز على أساس اللغة أو الانتماء القومي.

فإلى جانب اتفاقية حقوق الطفل، تنص المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حماية حقوق الأقليات في ممارسة ثقافتها واستخدام لغتها، وهو ما يشكل أحد الأسس القانونية الدولية لحماية التنوع اللغوي.

كما تؤكد اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم لعام 1960 ضرورة منع التمييز في التعليم، بما في ذلك التمييز المرتبط باللغة، وضمان تكافؤ الفرص التعليمية.

وتنص المادة 5 من الاتفاقية على احترام حرية الأقليات في ممارسة أنشطتها التعليمية الخاصة، بما في ذلك استخدام لغتها، مع مراعاة المعايير التعليمية التي تضعها الدولة.

وتبرز أهمية هذه المرجعيات في كونها تؤكد أن حماية اللغة الأم لا تتعارض مع مسؤولية الدولة عن تنظيم التعليم، بل تضع هذه المسؤولية ضمن إطار احترام الحقوق الأساسية وعدم التمييز.

وفي الحالة السورية، يطرح ذلك ضرورة مراجعة السياسات التعليمية بما يضمن عدم تحول اللغة إلى أداة للإقصاء، أو استخدام المناهج لترسيخ رؤية ثقافية أحادية تتجاهل مكونات المجتمع الأخرى.

مخاوف من إعداد المناهج السورية وفق رؤى تركية

في موازاة المطالب المتعلقة باللغة الكوردية، تتزايد المخاوف من أن تؤدي التوجهات السياسية والثقافية التي قد تؤثر في إعداد المناهج السورية إلى تغييب التاريخ الكوردي، وإضعاف حضور الثقافة واللغة الكوردية ضمن الذاكرة الوطنية السورية.

ويحذر منتقدون من أن إعداد المناهج وفق أسس أو رؤى تركية، إذا أدى إلى تبني سرديات تتجاهل الوجود الكوردي أو تقلل من دوره التاريخي، قد يفتح المجال أمام إعادة إنتاج سياسات التهميش الثقافي التي عانى منها الأكراد في مراحل سابقة.

عرقلة اعتماد المنهاج الكوردي ومسؤولية الحكومة

تتحمل الحكومة السورية مسؤولية أساسية في ضمان حق المواطنين في التعليم، ووضع السياسات التي تكفل المساواة بين المكونات، وحماية التنوع الثقافي واللغوي داخل المؤسسات التعليمية.

وتشمل هذه المسؤولية، وفق المطالب المطروحة، معالجة العقبات التي تحول دون اعتماد المناهج التعليمية باللغة الكوردية، وضمان عدم استخدام الإجراءات الإدارية أو الفنية لتأجيل تنفيذ الحقوق اللغوية أو تقليصها بصورة مستمرة.

ويشير منتقدون إلى أن الاقتصار على تدريس اللغة الكوردية بوصفها مادة اختيارية، مع حصرها في عدد محدود من الساعات، لا يحقق بالضرورة مطالب التعليم باللغة الأم، ولا يعالج الفجوة بين تعلم اللغة بوصفها مادة منفصلة وبين استخدامها لغةً للتعليم ونقل المعرفة.

فثمة فرق بين أن يتعلم الطالب قواعد اللغة الكوردية ومفرداتها لساعات محدودة، وبين أن يحصل على تعليم متكامل بلغته الأم، يشمل التاريخ والجغرافيا والعلوم والمواد الأخرى، وفق معايير تعليمية معتمدة.

ويؤكد هذا الفرق أن القضية لا تتعلق فقط بإدراج اسم اللغة في جدول الحصص، بل بطبيعة الاعتراف بها، ومدى توفير البيئة التعليمية اللازمة لتطويرها واستخدامها.

وفي هذا الإطار، تبرز مسؤولية وزارة التربية والجهات المعنية عن:

وضع جدول زمني واضح لاعتماد المناهج باللغة الكوردية، وعدم ترك تنفيذها رهناً بتأجيلات غير محددة.

إعداد كتب مدرسية باللغة الكوردية لجميع المراحل التعليمية، بما يضمن جودة المحتوى وتدرجه.

توفير معلمين مؤهلين، وتأمين برامج تدريب وتأهيل مستمرة.

ضمان حضور التاريخ والثقافة الكورديين في المناهج الوطنية، وعدم حصرهما في موضوعات هامشية.

إشراك خبراء تربويين ولغويين وممثلين عن المجتمع الكوردي في إعداد المناهج ومراجعتها.

إن قضية التعليم باللغة الكوردية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة سوريا على الانتقال من الاعتراف النظري بالتنوع إلى ضمان الحقوق الثقافية واللغوية بصورة عملية.

 

 

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى